جواد العقاد يكتب: الهوية في ضوء جدلية اللغة والفكر الخلاق

الهوية في ضوء جدلية اللغة والفكر الخلَّاق
بقلم: جواد العقاد/ باحث في الفكر العربي ونقده
رئيس تحرير صحيفة اليمامة الجديدة
( قُدِّمت هذه الورقة في الندوة الفكرية التي عقدتها وحدة الدراسات اللغوية والأدبية- المعهد العالمي للتجديد العربي. يوم الخميس 26 يناير 2023م).
كلمة أولى
إخوتي الأساتذة الأجلاء، نناقشُ في هذه الندوة موضوعاً في غاية التعقيد (اللغة والهوية) ضمن محاور تزيد الأمر التباساً (وحدة اللغة والهوية، العربية في مضمار الغالب والمغلوب، العربية وعصر الرقمنة). والحق -بكل صراحة- إننا لن نفعل شيئاً سوى إلقاء الحجارة في المياه الراكدة، التي ستعود إلى هدوئها إن لم تقدم المؤسسة الرسمية رؤية جدية في هذا المضمار، وإن أصرَّ العقل العربي الجمعي على حدته رافضاً محاولات التجديد والتحديث والعقلنة في سياق البحث عن هوية متوازنة. هذا لن يحدث على المدى القريب، وهو بحاجة إلى ملايين الحجارة.
في مفهوم الهوية
تعد الهوية من المفاهيم الملتبسة التي لا يُتفق على تعريف نهائي لها، فكل فرد يكوِّنُ رؤيته ويستمدُ هويته من الانتماء الأيديولوجي والتجارب الاجتماعية والفكرية، لكنها في أبسط صورها تتمثل في جُملة العادات والتقاليد والقيم والآداب والدين واللغة التي تتميز بها جماعة ما عن غيرها، وينتمي إليها الفردُ بوعي تام. والانتماء الواعي للهوية هو شرط جوهري، فلا يعقل أن ينتمي الفرد إلى جماعة انتماءً حقيقياً دون إيمان عميق! وإن الهوية تزهو بقدر الانتماء إليها والاعتزاز بها، فحين كانت العرب تعتز بالعروبة بوصفها هوية جامعة قد حققت إنجازات ملحوظة في كثير من ميادين المعرفة والعلم والحياة العامة.
جدلية اللغة والفكر الخلَّاق
اللغة إحدى معالم الهوية ومحدد أساس لها، وتستمد قوتها من قوة الهوية، فلا يمكن -إطلاقاً- أن تكون اللغة قوية دون هُويةٍ قوية. وبالتالي لا يكفي فهم اللغة بوصفها وسيلة تواصل فحسب، وإنما تتجاوز ذلك لتساهم بصورة فعَّالةٍ في عملية الإنتاج الفكري والمعرفي، فلا تكون اللغة خلَّاقة إذا بقيتْ حبيسة الكتب التعليمية والقواعد الجامدة. فمثلاً: اللغة العربية هي -بلا شك- لغة منتجة كونها لغة القرآن الكريم، ولغة السرديات الكبرى في التاريخ العربي والإسلامي. مثل: رسالة الغفران، فتوحات ابن عربي، كتابات الصوفيين الأوائل… وهذه الكتب تتضمن تحولات فكرية جذرية، بل بعبارة أكثر دقة: إنها شكلت انقلاباً معرفياً طرح رؤى جديدة في مجالات عدة، صحبه انقلاب آخر في اللغة؛ إذ جاء القرآن الكريم مُعجزاً بلغته، كما أن الكتابات الصوفية نثراً وشعراً تميزت بخصوصية اللغة، وشكلتْ معجماً لغوياً خاصاً من ناحية الأسلوب والدلالة.
إذن فالقرآن نص لغوي في المقام الأول إلا أنه أحدث ثورة في المجتمع العربي وأفكاره، والصوفية رؤية جديدة للدين والعالم والإنسان، لم يكن تقديمها ممكناً بلا ثورة لغوية اعتمدت على تفجير اللغة وشحنها بدلالاتٍ جديدة. بالتالي فاللغة ليست وعاء للأفكار والمعلومات بقدر ما هي مساهِم محوري في الإنتاج الفكري والجمالي، وإننا نحكم على اللغة بالموت إذا تعاملنا معها بوصفها وسيلة لنقل المعلومة دون مراعاة درجات توتر اللغة وحساسيتها بحسب طبيعة الخطاب.
المتأمل في آلية التعامل مع الموروث والذات بكل تجلياتها يجد أنها مرتبطة ارتباطاً عضوياً باللغة، فإعادةُ الأفكار القديمة المترهلة، وتقديسُها أحياناً، والنظر إلى الذات المعاصرة كأنها امتداد للماضي أو نسخة طبق الأصل دون أدنى مراعاة للتغيرات والظروف الجوهرية عبر التاريخ، أو بالأحرى تلك التي أسهمت في توجيه حركة التاريخ، هذا بلا شك تجميد للهوية.
ويتجلى الجمود في اللغة حين لا نعيد قراءة القرآن الكريم وتأويله في كل عصر بأدوات جديدة، كيف لا وهو النص اللغوي العربي الأول!.. وحين نكتب التراكيب القديمة ذاتها، ونحن مُصِرُّون على محدودية دلالاتها، فالكتابة هي خلقٌ جديد بالحفر العميق في الإنسان وفكره، لا صياغة جديدة فحسب. والكُتَّاب بهذا المفهوم هم قلة قليلة. فحين يتوقف البحث في جوهر اللغة لا يحدث أي مغامرة في الفكر والأدب، وأعتقد أن العكس صحيح. وهذا التوقف يغيّبُ جزءاً حيوياً من الهوية، ويجعلها جامدة، تنتمي إلى الماضي فحسب.
هنا بالتحديد، تتجمد هوية الأمة، وتصبح مناعتها الثقافية في منتهى الضعف، وتصاب بالانفصام، إذ يذهب جزء منها للاعتزاز بالماضي وتقديس أوهامه قبل حقائقه، وطائفة تفتن بالآخر حتى تنفك عن جذورها متنكرة لها.. وعليه تضيعُ اللغة بين الجمود، والولع بلغة الآخر التي تأتي ضمن تطور مستمر في الفكر والثقافة يفضي إلى منجزات مادية. وبما أن “المغلوب مولع أبداً بتقليد الغالب” كما يقول ابن خلدون، فإنه سوف يقلده في لغته دون وعي بأن تفوقها هو نتاج طريق معرفي طويل.
إن اللغة قادرة على العطاء والانتشار بقدر ما يمتلك الناطقون بها أرضية معرفية وحضارية قوية، والغالب المهيمن ثقافياً وفكرياً يعرف تماماً أهمية اللغة بوصفها معلماً من معالم الهوية، ومتى يكون لها أثر بالغ أو لا.. فمثلاً: الانجليزية هي اللغة المعاصرة الأولى عالمياً، لكن نقاد الأدب الأمريكان أسقطوا شرط اختلاف اللغة من شروط دراسة “الأدب المقارن”؛ لاشتراك الأدبَيْن الأمريكي والانجليزي باللغة ذاتها. وفي هذه الحالة لم يرَ الأمريكان ضرورة لشرط اللغة، فليست المحدد الوحيد للهوية، ولن يُقدموها على حساب الخصوصية القومية(١).
حين نتحدث عن العربية ومكانتها بين لغات العالم، فمن الجدير النظر إلى موقعها في عصر الرقمنة وأثرها في المنجز العلمي المعاصر.. العربية ليست لغة العالم المعاصر -بالتأكيد- مع أنها من أغنى لغات العالم، ولديها قدرة هائلة على استيعاب الجديد دائماً.
مع الأسف، نحن أمة قتلتها الشعارات.. أمة البلاغة الخاوية، حتى الخطاب الشعري، ونحن أمة الشِّعر أيضاً، يجب أن يحمل رؤى تقدُّمية، ويساهم في عصرنة اللغة والبُنى المعرفية المكونة لها. وحين أدعو إلى إدخال العربية عصر الرقمنة لا أقصد إطلاقاً تعريب ما أنجزته الحضارة الغربية -كما نفعل دائماً- إنما ذلك لا يتم دون وعي حقيقي بجوهر العقل المعاصر، أو جوهر الحداثة. وعليه، فاللغة صورة عن إمكانيات العقل وتحرره نحو تفكير مستنير يحقق إنجازات الثقافة والمعرفة قبل اللغة ذاتها. ولا يوجد لغة قوية بلا أمة قوية، وبالتأكيد لا قوة لأمة بلا تفكير حُر يفضي إلى هوية حضارية متميزة.
1. انظر مقال: الأدب العربي بين هيمنة الفكر الغربي وآفاق العالمية. https://2u.pw/Pu8sI9