ثقافةمقالات

تجلي الحلم في أعمال مهند يونس.. بقلم:د. عبد الرحيم الهبيل

تجلي الحلم في أعمال مهند يونس

د. عبد الرحيم محمد الهبيل/ ناقد وأكاديمي 

“أتدري حين تشعر بالفكرة ولا تجد من تحدثه بها ، أنت أبلغ من أبلغ من كتب يومًا عن الوحدة ، لا أحد أبلغ مِن مَن يموت جوعًا حتى لو وصف الجوع بألف صفحة ، لا أحد سيشعر بالفرح كذاك الذي انتظره حتى الأبد ، ثم مات فَرِحًا ” أوراق الخريف
البيت في قصص مهند يونس لا علاقة له بالوجدان ، أو لا علاقة لها بالإنسان ، حيث قال : “وعندما نزلت، أدركت أنني بلا بيت”(١) كما أن الشخصيات في ذاك البيت الذي لم تحدد معالمه المكانية ، لا يخيم عليه إلا الصمت “الصمت الذي يخيم حول مائدة غداء عائلية مملة”(٢) يعتريها السأم، لكنه وعلى الرغم من ذلك فإنه يعبر عن امتنانه لتلك العائلة المؤقتة إذ يقول : “أنا ممتن جداً لكوني أحد أفراد تلك العائلة المؤقتة”(٣) إذ إن هذه العائلة المؤقتة المملة قد تحمي أفرادها من الضياع ، وإن كانت في حقيقة الأمر “تتفكك وتتلاشى”(٤) بالصمت وغياب الإحساس بالانتماء.
وفي قصة (الحوت الذي صفق باب غرفتي بذيله)، يكرس مفهوم الملل ويجعله ممتدا في المدينة ، فالمدينة” مصنوعة من الملل الخالص”(٥) ومليئة بالقيود، فلا يكون أمامك سوى أن “تموت أيضاً”( ) فهي كالحوت في الاتساع وعشق الانتحار( ٦)، ثم يتساءل : “ما الذي دفع الحيتان إلى الانتحار؟ هل تدرك الحيتان أن الحياة بلا جدوى؟”(٧) أم أن زرقة البحر موحلة بالضجر والعبوس، وغرفة الكاتب” طافحة بالماء حتى ثدييها ، خرجت من الغرفة سباحة ، المكان فارغ تماماً لكنه غارق حتى ثلثيه بالماء”.(٨) فالكاتب لم يعد يلتفت للبيت وأهله، وإنما إلى صورة الحوت أو قل إلى (أنا الكاتب) الذي وجد صورته في عائلة الحيتان التي كانت تشتاق ” إلى السباحة في الهواء الطلق”.( ٩) بعيدا عن زرقة الماء الخانق، وسيطرة الحزن، يقول: “تقدمت منه ، عند عيني اليمنى ، لم أكن أعرف أكانت قطرة ماء تلك أم أنه كان يبكي ، وما تذرفه أعين الحيتان ؟ أهواء؟ كانت فقاعات هواء إذاً…”( ١٠) أو كما قال درويش :هاتِ الدمعَ ، أنكيدو / ليبكي المَيْتُ فينا الحيَّ
لم تكن الصور الغرائبية في مخيلة مهند يونس الخصبة فحسب، وإنما في أحلامه أيضا لتشاركه ساعات النوم ، فهل كانت تلك المشاركة حقيقية؟ لأن الشواطئ كانت تضيق بالحيتان فلا تجد مكانا لها إلا في الأحلام، “كل ليلة تنتحر الحيتان في أحلام البشر، لا شواطئ تكفيها ، فتوزع بقيتها على الأحلام”.(١١) أو كما قال درويش: لكني سأحلُمُ / رُبَّما اتسَعَتْ بلادٌ لي كما أَنا / واحداً من أَهل هذا البحر ، أم أن الكاتب يريد أن يقول لنا إن عائلة الحيتان تمنعه من النوم فصار شبحا في مواجهة الوعي “وترى السيّارات تمرّ من جانبك خاطفة الهواء، أنت واقف هناك، لكنّ العالم متّجه نحوك كقطار تنتظره على السكّة، ويا للروعة، إنّه يمرّ خلالك ، كأنّك شبح”.
انتحار الحيتان لم يكن موتا، وإنما حالة انعتاق وتحرر للخروج من دوامة الضجر واليأس، فالحيتان تتنفس الهواء الطلق” كبروفة للانتحار”(١٢) والحلم يفك قيد الواقع وينزع ما يجثم على الصدر كما قال محمود درويش: فَكَّ الحُلْمُ أَجنحتي . أنا أَيضاً أطيرُ / فكل حي طائر.
و في قصة (البحر المفقود) ترمز السفينة لحياة الكاتب نفسه، راسية على صحراء قاحلة خالية من الإبحار يقتل ربانها الانتظار “إنها تنتظر البحر”(١٣) ذاك البحر الذي يشير إلى الموت والفناء ، فالسفينة تآكلت جوانبها بالصدأ بفعل عوامل التعرية ، والكاتب يقول لنفسه : أنت لم تحلم يوماً بأنك ستتخطى الثلاثين”( ١٤) . لأن “ذكرياتك وأحلامك في الأسفل لم تسلم.”(١٥ ) من الصدأ والتآكل على مرافئ الصحراء القاحلة.
لقد وضع الكاتب قصة أسطورية لحياته التي أصبحت قصة قصيرة مكثفة بالدهور، يجثم عليها اليأس، لهذا يقول: “دعها تبحر يا رجل ، البحر لن يأتي بمفرده، أنت تمنعه من القدوم ، أو أنك خائف من جلبه، دعه يغمر هذه الصحراء العطشى ويحمل الباخرة ، أرجوك!”( ١٦) لينجو من الهموم أو كما قال محمود درويش: كي أرمم داخلي المهجور من أثر الجفاف العاطفي
إن جدلية الموت والحياة لدى الكاتب تتطلب مراجعة مستفيضة حول معنى الحياة التي كان يبحث عنها “الآن يتطلب الأمر من المرء البحث مطولاً عن معنى الحياة”(١٧ ) ،
وعلى الرغم مما نلحظ في قصة “الحظائر” من صورة فسيفسائية تحمل طابع الخيال العلمي، والابتكار المكثف للأحداث ، فإن البشر فيها مجموعة حظائر بيلوجية اكتمل وعيها بالفناء والموت بعد غسيل الأدمغة ( ١٨) .
لقد نظر الكاتب إلى العمر نظرة تراجيدية تكتنفها الكوميديا السوداء، فالحياة قصيرة جداً “ويرفعون كؤوسهم عالياً، نخب أعمارهم المتبقية، يتحدثون عن المستقبل بصيغة المضارع”( ١٩) ، لقد غمرت السخرية أخيلة الكاتب، فقال : “تخيلوا، وتصدمني سيارة ذات موديل قديم، وأكون خائفاً جداً، ولا أعرف لمَ الخوف؟ […]، أكثر ما يحزنني بالأمر ، أنها موديل قديم! أستحق سيارة أفضل !…”(٢٠).
وفي قصة رصاصة (ديستوبيا) نلحظ أن الكاتب مهند يونس ، يدخل إلى عالمية جورج أورويل في روايته (1984)، التي تعبر عن الديكتاتورية بطريقة سوريالية نادرة ، وبلغة مكثفة عميقة ، توحي بالقهر والعذاب واستمرار المأساة والمعاناة .. إن الكاتب يصور سيكولوجيا الجماهير وغسيل الدماغ البشري ، وتقبل العادات الشنيعة على أنها أمجاد ، فعلى الرغم من المشهد المثير في إطلاق القائد الرصاصة في رأس الطفل الصغير “وسط تصفيق حاد من البشر المتجمهرين ، وتهليل بحكمة القائد والتمني له بالتمكين والعمر المديد” فإن القائد ختم هذا المشهد الهستيري ، بقوله : “تمنعون أولادكم الالتحاق بالثورة ، مخافة أن يقتلوا، أقتلة كهذه أم قتلة في المعارك؟”( ٢١)حيث ترى في هذه العبارة شرعية الظلم وضعف المجتمع.
الخاتمة:
لقد غاص الكاتب مهند يونس في لوحات تجريدية ، ودخل بهزلية الشقاء على بساط تشيخوف، وغاص في نفسه كالجراحين يستعرض عذاباته وعذابات الآخرين، و استقل حافلة جورج أورويل في تصوير الديكتاتور، ومهزلة العقول .
ومما يثير الدهشة في كتابات مهند يونس أنك تجد تحولا في بناء الشخصيات من حيث المظهر والسلوك فهي شخصيات تمشي حافية بلا أسماء ومظهرها يكاد يختفي في تسارع الأحداث، لكنها تأتي عميقة مؤثرة تحمل أبعادا رمزية تتسع لفكر هش مدمر، والموت ينازعها من كل جانب، وإذا بحثت عن المكان تجده فراغا لا حدود له، أو هو الطريق كقول درويش في ذات القصيدة(الجدارية) ، تتداخل الأزمنة والصور الغرائبية في المكان بحثا عن الانعتاق والتحرر ، فالكاتب كان قلمٌا نادرا في هتافات الحياة عبر الموت.

(١ ) يونس ، مهند ، الآثار ترسم خلفها أقداما : ص8.
(٢ ) المرجع نفسه، ص7.
( ٣) المرجع نفسه، ص8.
( ٤) المرجع نفسه، ص8.
(٥ ) المرجع نفسه، ص10.
( ٦) المرجع نفسه، ص10
( ٧) المرجع نفسه، ص10
( ٨) المرجع نفسه، ص10
( ٩) المرجع نفسه، ص11.
(١٠ ) المرجع نفسه، ص10
( ١١)المرجع نفسه، ص11.
(١٢ ) المرجع نفسه، ص13.
(١٣ ) المرجع نفسه، ص13.
(١٤ ) المرجع نفسه، 21
( ١٥) المرجع نفسه، 21.
(١٦ ) المرجع نفسه، 21
( ١٧) المرجع نفسه، 21
(١٨ ) المرجع نفسه، ص13.
(١٩ ) المرجع نفسه، ص31.
( ٢٠) المرجع نفسه، ص33.
( ٢١) المرجع نفسه، ص33.
( ٢٢) المرجع نفسه، ص28.

زر الذهاب إلى الأعلى