
ماذا يعني أن تُمطر بغزة
رانيا عطا الله – خاص اليمامة الجديدة
أن نستغيث الله بغير المعنى وبخلاف القصد، أن نُحبط في حضرة واهب القوة، أن نهتزّ أمام منعش الثبات، نجف في حضرة الماء، أن نبكي مع الغمام ونحن نرجوها أن تتوقف،
أن يمسي القرص قاتلًا، أن ينقض عليك الهواء، أن تتبخر رغبات الحب، أن تتساقط الطفولة بين الأزقة، أن تتجمد العواصف بين مفاصلك، أن يصيب حنو القطرات نخاعك فيُشله بالقسوة، أن تتعارك ونسمات الليل بحرارة النفثات وفرك الأيادي، أن يلتهم البحر الخيام، يُثني أعمدتها، أن يجتاحها، وأن يرتعد قلبك مع كل برق، أن تترقب الريح كجنديٍ مدافع ؛لتصده، أن تبتل آخر قطعة شتوية مستعارة تضطر لأن تُبقيها على جسدك النحيل حتى يُشرق الصباح؛ لتنتفض بمرضك وتعلّق نفسك تحت الصقيع، أن تكره رائحة الأرض بعد المطر وقد اختلطت بآثار الحفاة ورعشة البراءة في زمن الخذلان.
أن تُمطر بغزة يعني أن يختفي آخر بصيص للصلة، أن تنفذ خيارتنا في الاتصال والإنارة حيث تغيب الشمس ونظل بلا طاقة أو نور، أن لا يغفو الجفن خوفًا من انكشاف الستر، أن تُطبق على أسنانك تمامًا كما تربط على معدتك في حضرة البرد الجوع، ثم تمضي حبيس الكبت، أن تتحول طرقنا إلى أنهارٍ من مياه الصرف الصحي، أن تُمسي مرتعًا للمرض وتربةً للعدوى، أن ينطفأ الدفء الذي أشعلت كلما مر السحاب، أن تسقط بقايا ألواح القصدير والمعدن من نصف غرفتك المهترئة،أن تركن لثقوب الخيمة وترقعها، أن تتحول ساحة صفك إلى إناء للمطر، ومكبًا لمزيد من الكد والتعب، أن يرتفع أنين النزوح، وأن تتناقض مفردات الرأفة.
تخيل أن يتحول أبهى الخير إلى أذى جارف، تنقلب آخر محطات الحب إلى منعطفٍ للكره.. الأرض مركب بلا قائد، بلا وجهة، بلا اتزان، جليد في الموقد، وبركان في قلبك الميت بردًا، والمناجاة وحدها تسكن الليل.
الليل الذي تحوّل سباته في حضرة النزوح إلى معركة لتثبيت الخيمة، لقد انقلبت العاصفة لأكوام من الذكريات التي تشعل الحنين إلى ملمس الحجارة، وارتدّ الركاد إلى وقفة لا تقف فيها ما يحدث وتتمنّى أن يقف؟!.
نعم أن يقف كل شيء.. فقد طارت فرحة الركض أسفل القطرات وكل السعي أن تتشبث بجدارٍ من قماش، أن تنام إلى جانب فأسك لتحفر سابع أرض لتصليب بيتًا على هيئة خيمة.
كيف لشعور النور أن يتحوّل إلى انطفاء، والبهجة إلى أسى، والامتنان إلى رفض، والأمل إلى ألم، والعطاء إلى مصيبة، حيث لا تسحرنا السحب، ولا ندندن مع صوت المطر، فقط.. نركض إلى النوافذ ونطلب الرحمة بالجفاف بدلًا من أن نلهج بالإثمار.
سقفٌ من غيم، زلزالٌ يضرب المحيط، أمواجٌ من موت، أشباحٌ من الخلف، هواجسٌ من الأمام، نار من الأعلى، وعجزٌ من الأسفل، عن اليمين صرخة وعن اليسار مناجاة، وفي قلبك ألف زاوية للبكاء بينما اندثرت من عينيك معاني المطالب وقد اقتصرت على أمنية السلام والدفء.