رئيس التحرير يكتب: المتوكل طه.. حارس الذاكرة الفلسطينية

المتوكل طه.. حارس الذاكرة الفلسطينية
- في فضاء كتاب “أيام خارج الزمن.. سيرة تحت الاحتلال” للمتوكل طه – صادر عن مكتبة كل شيء حيفا.
في مسيرة الأدب الفلسطيني، يعد المتوكل طه أحد أبرز الشعراء والكتاب الذين استطاعوا أن يصوغوا الوجدان الفلسطيني في نصوص تحاكي معاناة الشعب وطموحاته. فهو ليس شاعراً فحسب، بل مفكرٌ وإنسانٌ نذر نفسه لقضية وطنه، وجعل من الشعر والسرد فضاءً واسعاً للحرية والنضال، إذ يجمع في كتاباته بين التجربة الشخصية العميقة والرؤية القومية والإنسانية، لتصبح أعماله مرآة تجسد مراحل متعددة من الحياة الفلسطينية بكل ما تحمله من آلام وآمال.
الأدب جسر إنساني
من الأدباء الذين ارتبطوا بحميمية مع الجيل الأول من الأدباء الفلسطينيين، سواء من خلال نصوصهم أو عبر علاقات شخصية وثيقة معهم. تأثر بشخصياتٍ مثل: إبراهيم طوقان، عبد الرحيم محمود، نوح إبراهيم، عبد الكريم الكرمي، محمود درويش، توفيق زياد، سميح القاسم، وماجد أبو شرار. هؤلاء وغيرهم من الرواد أسسوا للأدب الفلسطيني من خلال مضامين إنسانية وقومية أصيلة، وكان لهم أثرٌ واضح على تجربته الإبداعية.
لكن العلاقة الأكثر حميمية كانت مع الشاعرين علي الخليلي وفدوى طوقان، اللذين لعبا دوراً إنسانياً كبيراً في حياته، فكانت طوقان تمثل نموذجاً للصلابة الشعرية والإنسانية، بينما تجسد الخليلي روح المبدع المتفاعل مع قضايا وطنه بحبٍ وإخلاص.
الشعر بوصفه حالة إبداعية حرّة
يتحدث المتوكل طه عن العملية الشعرية كحالةٍ إبداعية متفلتة من القيود. يرى أن الشعر “شيطانٌ خفيفٌ، ناعمٌ، هوائي”، يتسلل إلى وجدان الشاعر عبر كلمة، رائحة، أو إيقاع يثير حساسيته الشعرية. والقصيدة لديه ليست كلماتٍ مصفوفة، بل انبعاثٌ تلقائيٌ يحمل بين تجربة شعورية غنية تفرض نفسها على الورق.
السيرة الذاتية والفكرية
يعتبر المتوكل طه أن الكتابة عن الذات ليست استرجاع للذكريات فقط، بل فرصة لتأمل الواقع، وطرح الأسئلة الكبرى. من هنا، يقدم في كتاباته سيرةً ذاتية ممتزجة بفكرٍ قومي وإنساني، حيث يناقش قضايا التحرر والاستقلال، ويفضح الطائفية والمذهبية التي تعصف بالأمة العربية. يصف النظام العربي بالفشل في السلم والحرب، ويرى أن النخب الثقافية استوردت أفكار الغرب دون مواءمتها مع الواقع العربي، ما أدى إلى فجوةٍ كبيرة بين النظرية والتطبيق.
في السياق الفلسطيني، وضع المتوكل يده على جرحٍ عميق: غياب استراتيجية ثقافية رسمية، مقابل انتشار المنظمات غير الحكومية التي تعمل على قضايا حقوق الإنسان والمرأة والطفل، دون أن تضع أولويات التحرر الوطني في مقدمة عملها. انتقد بشدة هذا التوجه الذي وصفه بـ”كلام حق يراد به باطل”، مشيراً إلى أن المرأة الفلسطينية، على سبيل المثال، ليست بحاجة إلى شعارات الحرية بقدر ما تستحق دعمًا حقيقياً لدورها التاريخي والاجتماعي.
الشعر والسجن: جدلية الحرية والقيد
مرّ المتوكل بتجارب اعتقالٍ متكررة، حيث قضى عاماً ونصف في الاعتقال الإداري، إضافةً إلى إقامةٍ جبرية في المنزل. لكنه يرى في السجن تحدياً للروح الإبداعية، حيث تتحول القصيدة إلى فضاء حرٍّ يتجاوز جدران الزنازين. الشعر بالنسبة له امتدادٌ للروح، وسلاحٌ يواجه به السجان، إذ لا يمكن للقصيدة أن تُسجن أو تُقيّد.
القدس: القصيدة التي لا تقبل المساومة
القدس حاضرةٌ بقوة في إبداعات المتوكل طه، حيث يرى أن الشعر يمارس دوره الطبيعي حين يطرح القضايا الكبرى مثل القدس. يؤمن أن القيم الأخلاقية هي معيار أساس للشعر، لأنها مرتبطةٌ بالوعي، بينما تتغير القيم الجمالية مع الزمن. ديوانه “إيليا ويبوس” جسد إحساسه الوطني والقومي والديني تجاه المدينة، التي عاش فيها سنوات شبابه قبل أن يُمنع من دخولها.
تجربة فريدة مع الشعر والسياسة
يُعد كتابه “سيرة تحت الاحتلال: أيام خارج الزمن” واحداً من أبرز أعماله، حيث يقدم فيه تجربةً تمزج بين الذات والوطن. يسرد فيه مراحل حياته منذ النشأة الريفية في قلقيلية، مروراً بمراهقته ودراسته في جامعة بيرزيت، وصولاً إلى معاناة السجن. الكتاب يتجاوز كونه سيرة ذاتية، ليطرح وثيقة وطنية تغوص في الزمان والمكان، وترصد تحولات القضية الفلسطينية عبر العقود.
كما تحدث عن تجربته في “المكتب الفلسطيني”، الذي عمل فيه بوصفه حاضنةً إعلامية وثقافية، مكنته من الانخراط في العمل الثقافي العام، وشغل مناصب مثل: رئيس اتحاد الكتاب الفلسطينيين، ورئيس بيت الشعر الفلسطيني. يصف المكتب الفلسطيني بأنه فتح له آفاقاً واسعةً لفهم النقيض الاحتلالي من خلال متابعة الصحافة العبرية، واكتساب خبرة في الإعلام والعلاقات العامة.
نظرة على أوسلو والانتفاضات
لا يخفي المتوكل انتقاده لاتفاقيات أوسلو، التي يراها خياراً اضطرارياً في ظل تفرد الولايات المتحدة بالعالم، وغياب الحاضنة العربية. ويشير أيضاً إلى الانتفاضات الفلسطينية، حيث يرى أن الانتفاضة الأولى كانت “عبقرية” في قدرتها على تحييد السلاح الإسرائيلي الثقيل، بينما شاب الانتفاضة الثانية ارتجالٌ وعسكرة أفقدتها زخمها الشعبي.
الزعيم والرمز: ياسر عرفات
تحدث المتوكل عن ياسر عرفات بوصفه قائداً وزعيماً استثنائياً، استطاع أن يغرس بذرة الدولة الفلسطينية في أرض الوطن، رغم كل التحديات الوجودية. يرى أن عرفات أدرك أهمية الثقافة بمعناها الشمولي، وجعلها جزءاً من معركة التحرر الوطني.
كلمة أخيرة
المتوكل طه أيقونة فلسطينية تمزج بين الإبداع والنضال، في كل لقاء معه، تشعر أن فلسطين تعانقك بكل أوجاعها وآمالها. في كتاباته، تجد وطناً ينبض بالحياة، وشعباً يصارع من أجل كرامته. إنه الشاعر الذي يكتب بالوطن ومن أجل الوطن، والإنسان الذي يفتح فضاءاتٍ للحب والإبداع.