رئيس التحرير يكتب: مفاوضات الفرصة الأخيرة

مفاوضات الفرصة الأخيرة: غزة بين الهدنة والمجهول
بقلم: جواد العقّاد – رئيس التحرير
الآن، نحن في الأيام الأخيرة لاحتمال التوصل إلى صفقة تبادل الأسرى، صفقة قد تفضي إلى هدنة تدخل حيز التنفيذ خلال أيام، وفقاً لاتفاق يتم على مراحل يشمل ضمانات أمنية لإسرائيل في غزة، وفتح المعابر، وتدفق المساعدات الإنسانية، وإعادة الإعمار.
وفقاً للأخبار المتداولة، والمصادر الإعلامية والسياسية، والتصريحات من الطرفين، والتحليلات السياسية، والاجتماعات التي تجري، تبدو الهدنة على الأبواب، ومسودات الاتفاق جاهزة للتوقيع. لكن، رغم ما نراه من تطورات على العلن، لا نعلم ما يجري خلف الأبواب المغلقة، وما ينتظر غزة في المستقبل القريب.
هل نحن أمام اتفاق دولي وإقليمي يتضمن إعادة ترتيب الوضع السياسي الفلسطيني، بما في ذلك إنهاء وجود السلطة الفلسطينية؟ وهل ما يحدث في الضفة الغربية يشير إلى تآكل دعائم منظمة التحرير، وبالتالي تقويض المسار الوطني الفلسطيني بأسره؟ هل سيُحرم الفلسطينيون من تمثيلهم السياسي على أرضهم، ليغدو الشعب الفلسطيني في أسوأ الأحوال أقليات لا تمثيل لها؟ هذه الأسئلة المصيرية تظل معلقة، في ظل غياب إجابات واضحة.
إنها مفاوضات الفرصة الأخيرة. إذا وصل ترامب إلى البيت الأبيض قبل إعلان الاتفاق، فإن الحرب ستدخل مرحلة جديدة، حيث سيتصاعد الوضع الإنساني وتصبح معالم المصير السياسي أكثر وضوحاً نحو هاوية الشطب والإلغاء. هذا هو التوقيت الحاسم، ومصير غزة يتوقف على ما ستؤول إليه هذه المفاوضات.
الوضع في غزة مأساوي بشكل لم يعد يحتمل، والشعب هنا مُجبر على الصبر والتحمل، ليس لأنه شعب أسطوري كما يصوره الإعلام، بل لأنهم لا يملكون خياراً آخر. هذا الشعب كان يحلم بالدولة المستقلة وعاصمتها القدس، ويحلم بوطن أفضل وظروف مدنية أرقى، لكنه الآن يكافح من أجل الحصول على خيمة أفضل، رغيف خبز، وشربة ماء.
غزة اليوم في مأزقٍ حقيقي. لا أحد ينكر أن المساعدات الإنسانية ضرورية، ولكنها ليست حلاً جذرياً. الشعب الفلسطيني في غزة لا يريد أن يكون ضحية في لعبة سياسية إقليمية، بل يريد أن يرى تغييراً حقيقياً على الأرض، أن يحصل على حقوقه الإنسانية والسياسية، وأن يشعر بأنه جزء من هذا الوطن الكبير.
في هذه الظروف القاسية، أصبح الفلسطيني في غزة يقف على طوابير الإطعام كي يحصل على لقمة العيش. الشعب الذي كان يهتف لفلسطين، ويرفع علمها في كل مناسبة، صار اليوم يبحث عن لقمة العيش في حرب مسعورة. ورغم ذلك، لا يزال إيمانه بالوطن قائماً، رغم الخيبة والواقع المرير. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: إلى متى يمكن لهذا الشعب أن يتحمل؟ وإلى متى ستظل الشعارات كلمات لا تعكس الواقع؟
لا يمكن أن نغفل عن حقيقة أن غزة كانت وستظل جزءاً لا يتجزأ من فلسطين. وكذلك، فإننا لا يمكن أن نغفل عن حجم المعاناة التي يتعرض لها الشعب، من حصار ودمار مستمر وموت كثيف. لا بد أن تتوقف الإبادة، ولا بد من توفير حماية إنسانية دولية تضمن حقوق هذا الشعب الذي ضحى بالكثير من أجل الوطن.
إن الأمل في المستقبل لا يكون فقط في الهدنة أو في توقيع صفقة هنا أو هناك، بل في إيمان الشعب الفلسطيني بحقوقه، وفي قدرته على إعلان جدارته بالحياة، وفي البقاء على أرضه.
إننا الآن في مرحلة فاصلة، فإما أن تستمر غزة في التمسك بالحلم والخلاص، أو أن تُبتلع في دوامة الانفصال والضياع. فلا تقتلوا الوطن بالشعارات.

