
بقلم: فاتن خاطر(كاتبة وصحفية مصرية)
“الجهد الإنتاجي وما ينتجه من سلع وخدمات “يبيع” أو يفرض المنظومة الاجتماعية بوصفها كلاً: وسائل النقل والاتصال، وسلع السكن، والطعام، والنتاج الذي لا سبيل لمقاومته مما تنتجه صناعة التسلية والإعلام، إنما تحمل معها مواقف وعادات مفروضة، وردود فكرية وانفعالية محددة تربط المستهلكين بالمنتجين ربطاً مُسْتَحَبْاً بهذا القدر أو ذاك كما تربطهم بالكل من خلال ربطها لهم بالمنتجين”.(1)
((ماركوزة 1994. 12 [1964])
مدخل:
القارئ لا يميل؛ في الأغلب، لقراءة الأبحاث المتخصصة حول موضوع أو علم أو فن من الفنون، وخصوصاً في هذا العصر المتسارع الإيقاع، المتغير لحظياً، عصر الذكاء الاصطناعي الذي ينذر بتهديد عرش السيادة البشرية، هذا العصر الذي تجاوز “عصر ثقافة التسلية”، المصطلح الذي اختص به الكاتب الألماني “هرمن هسه”(1) مقدمة رائعته، إحدى روائع الأدب على الإطلاق “لعبة الكرات الزجاجية”(2). كذلك قد لا يهتم كثيراً الكاتب في التفكير حول الجهد المضني أو متعة قراءة الأبحاث أو الدراسات النظرية أو التنظيرية-ربما يرجع ذلك لصعوبة هذه الدراسات أو لتعقيد وتعدد المفاهيم وعدم ترتيبها وأحياناً رؤية الممارس بأنها غير محل لاهتمامه- وسواءً الكاتب أو القارئ قد يكونوا محقين في ذلك، لأن هناك دوراً ظاهراً وباطناً لوسيط يعمل في صمت وجد لبناء كيان خفي هو المؤسس للفنون والعلوم، هو الداعم، كذا هو وسيلة التقارب بين القارئ والكاتب، بين العالم والمتلقي، بين المهندس والعامل، بين العود وضاربه، هو الناقد العارف الشارح، الذي بدونه لا فن ولا علم، ولا آلة، هو الراوي في القصص والحكايات، هو العالم بالأمر. هو المعلم يبث الأبجدية كل يوم في الفصول، هو الزارع يزرع الحب كل صباح في الحقول، هو الشمس لا يحجب الجهل بها النور عن البشر، ولا تحجب نيرانها إتمام عملية البناء الضوئي التي تمهد لسيرورة الحياة على الأرض، ربما لن تشعر الشمس بلحظات دفء لامست طفلاً أو شاعراً أو عاشقاً تخللها نسيماً حلواً وخضاراً صافياً، فصفا قلبه، وسمت روحه، فأغمض جفونه محتفظاً بالذكرى التي أسست لكبريات الأعمال الإبداعية والعلمية التي حاولت كشف ماهية الكون، وماهية الذات البشرية، وماهية الآخر، السر، ولا يزال الإنسان في هذا السعي المحموم.
هدف هذا النص هو التعمق فيما وراء الظاهر، الخطوة التي تستمد خيوطها من السابق ربما تصل لمكمن كينونة كلية تفسر ما المقصود بالسرد في هذا السياق، والعلاقة بين النص والقارئ، النص والكاتب، النص والناقد، النص بوصفه كيانا حرا، وتنشئ بعداً أو مساراً تفكيكياً أو تشريحياً لبنية السرد التي من خلالها نعاود البناء من جديد، بلغة وإطار يبدو بسيطاً بساطة زهرة يتأملها مبدع منبهراً بجمالها وبساطتها ونعومتها ورقتها، وهو يعلم أو لا يعلم جيداً مدى تعقيدها، وأنه لا يملك أو لن يستطع خلق مثل هذه الزهرة بشكل فعلي.
هل السرد هو القص والرواية؟ لما يحتاج الإنسان للقص، أو لرواية قصص ما؟ ما الهدف أو الغاية أو المتعة أو اللذة التي ينشدها المرء من الحكي أو ممارسة الفن؟ هل يقتصر الحكي على سرد القصص أو الروايات الفنية أو الإبداعية؟ ما المقصود بمفهوم السرد؟ ما النسيج السردي؟ هل السرد ملازم للوجود الإنساني أم يسبقه، هل السرد حديثاً أم قديماً؟ما النص؟ والصورة النصية؟ والعلاقة السردية التي تكمن في النص والصورة؟ إلى أين يتجه السرد؟ هل السرد إلهي قديم، هل السرد إلهي حديث؟ السارد؟
المراجع والملاحظات:
آلن هاو، النظرية النقدية، ترجمة: ثائر ديب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2015، ص 65.
هرمن هسه (1962-1877)، أديب، مفكر، وشاعر سويسري من أصل ألماني، أحد أهم العبقريات الخالدة في الأدب العالمي، خاض رحلة إنسانية ونفسية عميقة كان لها أعظم الأثر في إنتاجه، ولد في جيل رواد الأدب العالمي (رلكه، أندريه جيد، غوته) ومع ذلك استطاع أن تكون له تجربته الإبداعية الفريدة، أهم أعماله؛ سد هارتا، ذئب السهوب، لعبة الكرات الزجاجية.
رسخ هرمن هسه منهجه الأدبي الإبداعي بالعمل العظيم (سد هارتا) الرجل الذي بلغ هدفه، وكان له أثر بارز في تاريخ الأدب، ترجمت لعدة لغات، وتحولت لفيلم سينمائي، واختتم هسه مساره برواية “لعبة الكرات الزجاجية” أحد أعظم الأعمال الإبداعية التي تناولت مسيرة الإنسان الفكرية والعقلية النفسية الموازية لضجيج العالم، واستطاع اشتقاق فكرة لعبة الكرات الزجاجية الفكرة الدالة على فن الفكر والكتابة والتأمل الذي يجب أن يكون مصاحباً لكل فن وفكر حقيقي، كما اصطك\استحدث في مقدمة الرواية نفسها مصطلح “عصر ثقافة التسلية” المعبر عن سذاجة وسطحية استهلاك مفهوم، معنى الثقافة وتأثيراتها.


