مقالات رئيس التحرير

الشّعر من الهتاف إلى الفعل النضالي: جواد العقاد

المقال في العدد (1500) من مجلة الهدف، السادس والعشرين في النسخة الرقميّة.

الشّعر من الهتاف إلى الفعل النضالي

بقلم: جواد العقاد

بدأ الشعر الوطني والثوري في فلسطين منذ وقت مبكر، قبل تبلور مفهوم الشعر الملتزم الذي صاحب ظهور الاتجاه الواقعي في الأدب، فالواقع الفلسطيني القاسي أرغم الشعراء الفلسطينيين على حمل هموم شعبهم والتعبير عن قضاياهم الوطنية والقومية الكبرى، ومن هنا بدأت ترتبط أسماء الشعراء بالقضية الفلسطينية بكل مراحلها، فالشعر كان أداة ثورية تُلهب مشاعر الجماهير، لهذا نجد أغلب القصائد التي عَبَّرت عن القضية الفلسطينية تتسم بالنبرة الخطابية. ولو تتبعنا مراحل النضال الفلسطيني في شعر ما قبل النكبة نجد أنه رصد وسجل أحداثًا كثيرة، وما زالت تحفظه الأجيال حتى اليوم، سنبقى نردد ونُغني قصائد إبراهيم طوقان، عبد الكريم الكرمي، عبد الرحيم محمود، نوح إبراهيم. أما مرحلة ما بعد النكبة فتطور الشعر الفلسطيني فنيًا مع ظهور الاتجاه الواقعي، على يد مجموعة من الشعراء المُلهمين، أمثال راشد حسين، سميح القاسم، محمود درويش، توفيق زياد. ورغم بقاء النبرة الخطابية الحماسية في شعر هذه الحقبة إلا أنها أصبحت أقل حدة، فالشعراء بدأوا بتوظيف تقنيات تعبيرية جديدة مثل الرمز والأسطورة، إضافة إلى الاستفادة من التقنيات السردية، ومثال ذلك قصيد “حوارية مع رجل يكرهني” لسميح القاسم.
وقد اهتم الشعراء العرب بالقضية الفلسطينية التي أثارت فيهم الروح القومية، فهذا “علي محمود طه” الشاعر الرومانسي الكبير يترك أحلامه الوردية وهمومه الذاتية ويكتب “أخي جاوز الظالمون المدى “على إثر نكبة فلسطين التي كانت نكبة لكل العرب. وكذلك نزار قباني المعروف بشعره الرقيق بعد نكسة حزيران كتب قصيدته
” هوامش على دفتر النكسة” التي هزت العروش، وقصيدته المشهورة أيضًا “أصبح عندي الآن بندقة”.

المأساة هي صمود أسطوري ينتهي بفاجعة، على الأقل هكذا أحب تعريفها. ظَنَّ كثيرون أن الفلسطيني استسلم وانتهى أمله، وماتت قضيته في الضمير العربي بعد ما أنتجته قوى الاستعمار والرجعية من قضايا خلافية وفتن طائفية وخراب عمَّ الوطن العربي كله، إلا أن العربي ما زال يعرف بوصلة الحق والحقيقة جيدًا، نعم هي فلسطين، فالشعوب العربية كلها تعود لتهتف "عاشت فلسطين"، وتساند الشعب الفلسطيني في الهبة الجماهيرية، وترفض استباحة دمه في كل أماكن تواجده. ينزل الشعراء العرب عن صهوة خيالاتهم تاركين جِياد المعشوقات، ولا تبرح قلوبهم جمر الحلم الفلسطيني، فيتحول الشعر إلى سلوك جمعي، بعد أن توهمنا بأنه هتاف لا يُجدي، لم يقل العربي "إلى فلسطين خذوني معكم يا أيها الرجال أريد أن أعيش أو أموت كالرجال". بل يذهب إليها ويموت كالرجال، ولسان حاله يقول: أخي إن فِي القُدْسِ أُخْتَاً  لَنَـا     أَعَدَّ  لَهَا الذَّابِحُونَ المُــدَى".  

الفلسطيني، ومعه الضمير العربي الحي، لم يعد يقول الشعر فحسب بل أصبح يُمارسه، فالشعر ليس حبرًا على ورق ولا هتافًا بل هو جزءٌ من وعي الشعوب العصي على الكي، وحارس حلمها.

اليوم بعد ثلاثة وسبعين عامًا على نكبة الشعب الفلسطيني وتهجيره عن أرضه، تعود المأساة من جديد في القدس، فيصمد الفلسطيني ومعه جذورُ الحقيقة، وشجر الزيتون الذي تجرد من رمزية السلام ولكنه، بالتأكيد، لن يتجرد من رمزية الصمود. لكل شجرة زيتون في هذه البلاد ذاكرة: مرَّ في ظلها مقاتلون أتعبتهم الخيانة، وعُشاق يُخلدون الحبَّ على جذعها فيكتب العاشق: أحبُّكِ بعدد ما تحفظ هذه الشجرة من حكايات، فترد: أحبُّكَ بعدد ما أقسمت هذه الشجرة أن تصمد، وأوفت يا حبيبي. وتحضن في ذاكرتها، أي الشجرة، أغنيات رددها الفلاحون طويلًا في مواسم القطاف. هذه البلاد شاعرة بفطرتها، وروائية ماهرة كجداتنا. وبعد هذا كله يريدون من البلاد أن تنسى عشاقها وفلاحيها، ومقاتلين بينها وبينهم عهد دم وصمود!

أيها الشعراء.. أَرِخوا أوجاعنا، اكتبوا المجد والصمود والشقاء، تمترسوا على جبهة الكلمة، يا رفاقي، العدو من أمامكم والخيانة في الجهات كلها، أما الوطن فهو في القلوب، ستغدو أشعاركم ملحمة طويلة تتوارثها الأجيال، نحن هنا نصنع الأسطورة: صدرٌ عارٍ أمام دبابة، وردة أمام مدفع، أغنية وحيدة في سماء الحرية بين حشد طائرات. يا رفاق أخبروا نزار قباني أن يكتب هوامش على دفتر الصمود، فلا نكسة بعد اليوم، ولا نكبة، سقط المسرح بالممثلين وتجلَّت فلسطين، وأخبروا الماغوط بأنَّ العرب، جبال اللذة والطين، تناثروا في محارق العار. ويا راشد حسين إن الشعوب هبت وستنتصر، فالرفاق جميعهم أخذوا مكان معين بسيسو، ولن يبرحوا الحلم، طمئنوا غسان كنفاني أن العربي يعرف تمامًا أن له في هذا العالم شيئًا، وقام. وأخيرًا أخبروا أنور الخطيب أن الوطن يشتاق له، فليعانقه بكل شوقه المزمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى