مجتمع

تيجي نقسم البلد أنا نص وأنت نص.. بقلم: سعيد محمد الكحلوت


تيجي نقسم البلد انا نص و أنت نص

بقلم: سعيد محمد الكحلوت

كنت تقريباً في الخامسة من عمري حين أراد المنشد وليد توفيق أن يرتكب جريمته الكبيرة بحق الكوكب.

فقد عرض الرجل على حبيبته وقتها بأن يقسم القمر إلى نصفين، نصف له ونصف لها، مغنياً أغنيته الشهيرة “تيجي نقسم القمر أنا نص وأنتِ نص”.

ولأنني أحد عُشاق القمر، خفتُ كثيراً عليه من النوايا الأنانية للأخ وليد.

أخذتُ أفكرُ كطفلٍ آنذاك: كيف اشترى عمو وليد القمر؟ ومِن مَن؟ كيف سيتم تقسيمه؟ وماذا لو فشلت عملية التقسيم؟ وسقط القمر في وسط بيتنا الإسبست بمخيم جباليا وقتها؟

وكيف سيصعد العاشقان إلى هناك؟ ومتى؟ وأين سيخبىء كل منهما نصفه المقسوم؟

وهل سيحُجب القمر عن الناس فعلاً؟

أسئلة ظلت تراودني لساعات طويلة بينما افترش الأرض وأتوسد كفتي الصغيرتين مُطالعِاً تفاصيل قبة السماء من ساحة بيتنا الضيق؟

لازمتني هذه الحالة المَرضَية من خوف الأسئلة وقلق الإجابات، حتى دخلتُ الصف الأول، وعرفت أن العرب لا ولم يصعدوا القمر حتى تلك اللحظة.

على الرغم من قسوة هذه المعلومة، وعنصريتها إلا أنها سكّنت الأسئلة التي استعرتْ داخلي وسببت لي الكثير من القلق لسنتين كاملتين.

قفزت هذه التفاصيل إلى خيالي، بينما كنت أسير في شارع الجلاء متوجهاً لبيتي، وسمعت مغنياً شعبياً ساخراً ينطلق صوته من أحد المحلات، فيما يغني عبر مكبر صوت ضخم أغنية على ذات اللحن والتوزيع حَفظتُ سريعاً من كلماتها.

“تيجي نقسم البلد انا نص وأنت نص.”

لا شعورياً اعترتني مشاعر الخوف التي شعرت بها حين كنت طفلاً لم يدخل المدرسة بعد.

و وجدت نفسي أتخيل انقسامات جديدة في البلد المقسمة أصلاً.

فتخليت انقسام بيت لاهيا عن مشروع بيت لاهيا ومعسكر جباليا عن بلدة جباليا، ومخيم الشاطيء عن مدينة غزة، ومخيم خان يونس عن مدينته، ومخيم النصيرات الجديد عن مخيمها القديم.

ومشيتُ أفكر في مستقبل العلاقاتِ بين البلدان الوليدة والحكوماتِ والأمن والحواجزِ والجبايةِ والمعابرِ وجوازات السفر والمناطق الصفراء والحمراء والنِسَب والأنسابِ.

ثم اصطدمت بسؤال لولبي بلا جواب: والبحر كيف نقسمه؟

اللعنة.. على القسمة والتقسيم وما اشتق منها!!

نهضتُ مفزوعاً من قلقي الذي استهلك النصف الآخر للبيت، وقد قررتُ أن ألغي عملية القسمة من حساباتي الشخصية وأن لا أثق بأي تاجر يستخدم القسمة في أي من حساباته.

وجلستُ أنتظر صعودَ القمر في السماء، فتذكرت أنني لن أراه، لا لأن الأخ وليد توفيق قد نجح في مكيدته ضد الكوكب ولكن لأن الشهر القمري لم ينتصف بعد.

والسلام على الوفود المجتمعية في القاهرة لتعيد للوطن المحتل وحدته واكتماله كقمر كامل التكوين، وغفر الله للمنشد وليد توفيق على ما نوى. وحفظ الله الشباب المطالبين بالحياة الكريمة.

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى