جماليات التراكيب في الشعر

بقلم: أحمد العجمي-شاعر وكاتب بحريني
يتحدد الشعر ونوعه وعمقه وجمالياته بطبيعة البناء التركيبي للكلام الشعري؛ بمعنى كيفية تركيب وصياغة الجمل الشعرية، ومواصفاتها، ومقدار انزياحاتها، وتأثير كل ذلك على هندسة وبناء القصيدة. فالتركيب يهندس القصيدة ويهندس المعنى ومعنى المعنى، ليدخل المتلقي في لعبة حل اللغز.
لغة الشعر تختلف تماماً عن اللغة التداولية المنطقية التي تمارس الإفهام والتواصل بين الناس، وتختلف عن ما يُسمى اللغة المكتملة؛ وهي اللغة العلمية المستخدمة في العلوم البحتة؛ كالطب والكيمياء والهندسة والفيزياء …إلخ، والتي تتوحد معاجمها في العالم لمن يمارس هذه العلوم. ففي الجملة العلمية يوجد لفظ واحد محدد بدقة، وجملة صلبة خطية ليس لها ظلال أو تورية أو كناية أو تشبيه … إلخ.
فإذا كانت الجملة العلمية تتصف بالخطية (تحدد بالمسطرة العلمية)، والجملة التداولية بالسطحية، فإن الجملة الشعرية لابد وأن تكون فضائية ثلاثية الأبعاد؛ وكأنها كتلة معلقة في الفضاء تُسقط مجموعة من الظلال وترسل العديد من الإشعاعات، ويمكن النظر إليها من كل جانب وارتفاع، لاكتشاف ما هو متوارٍ أو محجوب.
وحتى تكون الجملة الشعرية فضائية فإن من الضرورة أن تكون طريقة تركيبها مختلفة عن طريقة تركيب الجمل التداولية والعلمية (النخب العلمية)، وهندسة هيكلها تمنح الحركة والانحناء والدوران والارتفاع.
وفضائية الجملة الشعرية تتحقق بفلسفة اللاعقلانية والغرائبية والعجائبية؛ حين ينكسر المنطق اللغوي والعقلي، وينكسر المألوف واللامتوقع، وتتلاشى المعيارية الأسلوبية وسلطة النموذج، وعندما تتشكل بفعل ذلك جمل لا تواصلية مثل: (تغني عظام الطاولة/ وتلعب شجرة النار اليوجا/ عيون الطيور مصابيح زيت في الغابة). تصبح للقصيدة أفلاك متقاطعة ذات شحنات متضادة ومتفاعلة، وتتلاعب بالمعنى.
تركيب الجمل الشعرية يحدث من خلال اللعب بالكلمات ولصقها بأساليب غير معيارية، وتحريكها عبر تموضعات وانزياحات تخرجها من التقريرية، وتضعف تواصليتها وتنزهها عن الغرضية والنفعية، وتمنحها فضاء تتحرك فيه وعمقاً تتفاعل داخله.
التركيب الشعري لا يتمثل فقط في بعده الهندسي والإنشائي، وإنما له كيمياء تفاعلية، من خلال معادلاتها تنتج الصور الشعرية البسيطة والمركبة، ينتج الغموض الفني، وتتفايض الإيقاعات من حركتها، وينشأ حوار اللعب مع الظلال والممرات المتشعبة للتأملات، وتصبح هناك متعة ولذة يخلقهما النص الشعري.
تحتاج المعادلات التركيبية إلى معجم لغوي عام، نصفه مادي والنصف الآخر معنوي. وداخل المعجم العام مجموعة من المعاجم التي تمنح معجم الشاعر ثراء وطاقة وخيارات لامنتهية من التراكيب المادية والمعنوية؛ فداخل المعجم اللغوي العام هناك المعجم الطبي والكيميائي والزراعي والجغرافي والتاريخي والفلسفي والسياسي، والفيزيائي والتكنلوجي والاقتصادي …إلخ.
كلما توافرت هذه المعاجم لدى الشاعر، في بعديها المادي والمعنوي، توافرت له فرصة الاستعارات المعجمية، لاختيار تراكيب مبتكرة إبداعية مبنية على علاقات متباعدة، وأتاحت له فضاء للعب انزياحياً كي يخلق تنوّعات في الصور والإيقاعات، ويستغني بالمضمر والمسكوت عنه عن التقريرية والسطحية، ويعمق ذوبان الوجود الإنساني مع وجود العالم. حيث يمكن استعارة لفظة مادية من معجم الاقتصاد (ضرائب-الاستثمار)، واستعارة لفظة معنوية من معجم الطب (الغثيان- شفاء)، ويتم تركيب جملة بهما، مثل (يفرض الغثيان ضرائبه على روحي)، ( يستثمر الربيع أزهاره في شفاء الوقت).
فمن خلال المعاجم المتعددة والمتنوّعة في شبكة المعجم العام يمكن تتأنسن كلمات الكيمياء والفيزياء، أو الطب وتفقد حياديتها، وذلك عبر شبكة الأعصاب في الجمل المركبة، حيث يمكن إدراك التلامس الإنساني في جملة مثل (نظرات قلوية تخترق قلبي)، أو (أسمع صوت اليرقان ينشط في الخريف)، (أرى شرارة احتكاك الزهرة بالنجوم).
لا يمكن أن تنجح التراكيب الشعرية في خلق جمالياتها ما لم يحضر وعي الحرية والمغامرة والتجريب، ودون المرونة في التموضع والحركة (التقديم والتأخير)، والتكثيف، وحذف الزوائد والأثقال، والتركيز، والإظهار والإخفاء، والربط بين المتباعدات، مثل، بين (ألوان ريش الطيور والمجرات)، (انكسار الضوء وحركة السمك).
يحتاج التركيب الإبداعي إلى نشاط المخيلة والعقل الباطن، وإلى التخلص من السكون ومنطقية التسلسل أو البناء الهرمي أو تعدد الطوابق، لتكون القصيدة لا شكل لها يمكن القبض عليه، وتصبح كالماء تتواءم مع كل فضاء.
ففلسفة التراكيب الشعرية، تتمثل في بعدها البنيوي كأسلوب إبداعي ووسيلة غير معيارية، واقتصادية تختصر المسافة بين النص والمتلقي، ولا تسير في خط مستقيم، ولا منطقية، وتُمكّن الشعر من تحرير اللغة من نمذجتها وتقعيدها ومن وظيفتها النفعية في التواصل والإفهام، ويعيد لها طاقتها وحيويتها، وتفتح الفضاء بشكل أو سع للموسيقى باعتبارها جزءاً من جوهره وليست زينة أو إطاراً، وتتيح للشاعر التوغل التجريبي في مناطق جديدة غير مكتشفة، وتمنحه الإمكانات والقدرة على إعادة تفجير اللغة.
كما أن فلسفتها تتبنى فكرة كون ما يُضمر ويختبئ في الشعر أهم وأعمق مما يظهر ويصرّح به؛ حيث إن النص له طبقات ومداخل ومخارج متعددة ومتنوعة، وله قدرة على اللعب والمراوغة عبر المتاهات التي خلقتها الصيغ التركيبية، ليكون النص باطنياً، وملكاً للقارئ ليبحر فيه ويرى ما يرى ويتخيّل، فتتعدد الرؤى والظلال بتعدد القراء والقراءات.


