تقارير

جولةٌ في دهاليز “جدرانٌ أربع وهدية” 

جولةٌ في دهاليز “جدرانٌ أربع وهدية”

بقلم: مهدي رمضان شعبان

أتحدث اليوم عن صديقي وجاري العزيز، الذي عزل نفسه عن العالم وبعد عزلة طويلة امتدت لسنيين عديدة قضاها في البحث في الفلسفة السياسية وفلسفة الأخلاق، ها هو الكاتب والصديق: (سامر الصليبي) يخرج لنا بروايته الفلسفية التي بعنوان: “جدران أربع وهدية”، والتي آثر نشرها مجانًا في العديد من المكتبات الرقمية العربية تماشيًا مع قناعاته، والتي بها يمهد كما يقول لكتاب يعيد به إحياء الفكر اللاسلطوي وتجديد خطابه.

 حول الرواية:

تقع الرواية في 281 صفحة، مُقسَّمة لثلاثة فصول، عنوان الفصل الأول (جدران أربع يفصل بينها أميال) في هذا الفصل يضعنا أمام المدينة المحاصرة التي تقع فيها الأحداث، حيث يبرز في هذا الفصل صراع الشخصية الرئيسة مع محيطها، الذي أثر في رغباتها وطلباتها وطموحاتها الحصار، ومعاناتها من قدرتها على الرفض والاعتراض باستمرار، أما عنوان الفصل الثاني (جدران أربع يفصل بينها أمتار) ففي هذا الفصل يقصر السرد على الغرفة الضيقة الخانقة التي اتخذتها الشخصية الرئيسة موقعًا لعزلتها هربًا من واقع مدينتها المرير البائس، وبحثًا عن وسائل لهزيمة الجدار الذي احتكر عداوتها، أما الفصل الثالث والأخير (هدية) ففيه يُقدم الكتاب هديته للقارئ وفيه حاول الكاتب تجديد الخطاب اللاسلطوي (الأناركي) وإعادته لألقه وجاذبيته. وتجدر الإشارة هنا أن الكاتب حذّر القارئ من عدم التسرع بقراءة النقاشات السبع في الفصل الأخير، وعدم التسرع بإصدار الأحكام ونصحه بالاحتفاظ بالأسئلة التي تدور في ذهنه لحظة القراءة، وعدم الإقدام على الإجابة عنها استخفافًا قبل الانتهاء من قراءة النقاشات السبع كاملة.

تعد الرواية محاولة من الكاتب لتقديم الفكر اللاسلطوي كخيار وسط بين جميع هذه الخيارات السلطوية غير المجدية داخل الخيار السلطوي، ومحاولة للإشارة إلى عدم جدوى الانتماء إلى أحزاب اليسار واليمين أو الأحزاب الدينية والعلمانية، بالإضافة إلى ذلك يحاول الكاتب الإشارة إلى عدم جدوى النظام الديمقراطي الذي يراه يقف كعقبة في وجه أي توسع وتوجه ليبرالي، فيقول: على لسان إحدى شخصيات روايته “التوجهات الليبرالية غير كافية لإصلاح النظام الديمقراطي والنظام الديمقراطي غير قادر على استيعاب المزيد من التوسع الليبرالي”، وأيضًا هناك محاولة صادقة وعنيدة من الكاتب في التأكيد على أهمية الأخلاق الواجبة للفيلسوف الألماني العظيم إيمانويل كانط، فيقول: “الأخلاق الكانطية هي أخلاق الذين يُقدِّمون انتماءهم للإنسان على كل انتماء.”

حوار مع الكاتب حول روايته:

سؤال: كيف تمكنت من التوفيق بين الأدب والفلسفة؟

جواب: في الفلسفة أنت تتعامل مع أفكار، أما في الأدب فأنت تتعامل مع مشاعر وعواطف ومحيط، وهذا ما صعب المهمة عليّ، فبعدما وجدت أن الوصول بالرواية يكون أسرع والانتشار أوسع فهي الصنف الأدبي الأكثر طلبًا، قررت خلق قلم يصلح للكتابة الروائية، وهذه المهمة تسببت بمروري في حالات اكتئاب حادة لاضطراري إلى اقتسام يومي بين الفلسفة والأدب.

سؤال: هل هذا السبب هو الذي دفعك عند نشرها للتصريح بأنها ستكون الأولى والأخيرة؟

جواب: صحيح، ولقد حاولت كسر قلمي الروائي، ولكنني أجد نفسي الآن عاجز عن ذلك، فأنا الآن أقوم بإعداد روايتي الثانية بجانب الكِتاب الذي وعدت به قُرائي، والذي ربما سآخذ وقت أطول في العمل به.

سؤال: لماذا تحاول إيجاد نموذج للشخصية الثورية للثائر العربي؟

جواب: لا يمكن التشكيك بحماس وصدق الثائر في أي مكان، ولكنني أجد أن الحماس والصدق غير كافيين، فهما بحاجة للوعي لتوجيه الجهود الثورية بشكل صائب. إنني أعتقد أن الثائر بحاجة إلى كتاب بيده في الميدان وأرجو أن أكون قد وفقت في تقديم الرواية كعمل صالح لتحمله أيدي الثوار.

اقتباسات:

ومن الاقتباسات التي أرى أنها تعبر عن الفكر الفلسفي للكاتب سامر الصليبي في الرواية:

* “نحن عاجزون عن طلب كأس من الماء لذلك تمنحنا رغبتنا بالكثير، نهر متدفق يروي ظمأنا بالاستمرار بإسقاطنا من أعلى إلى أسفل.”

* “حيث الخطوات إلى الأمام ينتفي، وحيث هي إلى الوراء أيضًا ينتفي، فقط حيث هي مع الجدار يكون لها موطئًا، طريقًا تسلكه.”

* “لم تعد الجدران تنطق ب”قف!” فقط، ولم يعد خيار الرجوع متاحاً عند الاستجابة ل”قف!”، فالخيار يسبقه جدار.”

* “أقف بجانبي، أنظر إليَّ متأملًا لا فاعلًا، لا لاختياري بل لعجزي، أحلل وأستنتج من تأملاتي، ولكن تبقى تحليلاتي واستنتاجاتي حبيسة الواقف المتأمل بدون انتقال للفاعل الذي بإمكانه الاختيار، فلا أجد تأملات الواقف إلا إرضاءً لفضوله، ولا أجد اختيار الفاعل إلا انقيادًا لما ليس له فيه اختيار، فأحاول قطع تأملات الواقف متشبهًا بحال الأغلبية، وفي جميع محاولاتي يحالفني الفشل الذي يثبت لي باستمرار أن اختياري ليس خياري.”

* “المهندس لا يُقاوم سقوط الأبنية بل يُقاوم ظروف السقوط، والطبيب لا يُقاوم الموت بل يُقاوم الظروف التي توجد الموت، وكذلك اللاسلطوي لا يُقاوم الجريمة بل يُقاوم الظروف التي توجد من خلالها الجريمة”.

* ” اللاسلطويون لا يتخذون إحدى زوايا اليسار لأصواتهم، لأن اليسار معارضة بهدف إصلاح الحكم لا استئصاله.”

* ” العقبات الجمالية والدينية والأخلاقية وغيرها تقضي على النسبية المتخذة لمكان لا يجوز لها التواجد فيه.”

* ” إرادتي كافية للحيازة إذا كانت هذه الحيازة هي الجزء من إرادتي الذي يكفل وجودها.”

* “لم يكن لمفهوم الإنسان المتوحش عند الكثيرين دلالة تاريخية بقدر ما كان يعبر عن دلالة سلوكية، ولهذا كان استخدامه لتشريع الإبادة والعبودية. لقد عانى الإنسان من هذا التوصيف السلطوي.”

* ” أليس محاولة الإشارة لمفهوم الحرية المدنية كمفهوم مغاير في الدلالة ومخالف أحيانًا لمفهوم الحرية الطبيعية، هي محاولة استنباط العديد من الدلالات لكلمة الحرية، وبالتالي محاولة لإخفاء دلالة نقيض الحرية بإحدى دلالات الحرية، أي أليست هذه المحاولة هي محاولة لأقنعت القيد بالحرية؟”

Mahdy7shaaban@gmail.com
00972597111485
غزة – فلسطين

 

زر الذهاب إلى الأعلى