نصوص مختارة

الليل.. شعر: أنور الخطيب

الليل

بقلم: أنور الخطيب/ شاعر فلسطيني

الليلُ بحيرةُ شهوةٍ تتمشى على حوافّها كائناتُ النبيذ،

تصبّ للغرقى كؤوساً من الشهوات، ليُكملوا موتَهم،

الليلُ مكحلةُ الميّتينَ، يكحّلون غياب العيون بِمَرْوَدِ الفناء،

الليلُ سريرُ المريضِ الآخذِ في الموت، يتخفّى بعافيةٍ تفضحُها ورودُ الزائرين،

الليلُ سِدرة الأنينِ المشتهى، أحلامٌ غليظةٌ غامضةٌ

يصاب بها الهاربون من وعيهم الانتهازي نحو لا وعيهم النبيل،

وإمعاناً بتضليل الكائناتِ، يَشرعون في التفاسير؛

الموتُ في المنامِ حياةٌ، بدلةُ العروسِ موتٌ

الضحكُ الكثيرُ انتظارٌ لبكاءٍ شتائيّ النبرات

المرأة ثعبانٌ، يطل من غابة اللذّة، يغزو بيوتَ المتزوجين

الليلُ لعبةٌ دهريةٌ، للتدرّب البطيءِ على احتمالات الغيابِ

ضبابٌ قاتمٌ، فكرةٌ عاريةٌ غيرُ مرئيةٍ، تتحرك كالأميراتِ في حَرَمْلِك المستبدين،

الليلُ سعالٌ ثقيلٌ يجرَحُ حُنجرةَ الياسمين

يُطلق حُلكةَ الرغباتِ في المدى المنسيّ

الليلُ لونُ الاحتلالِ والعسسِ العنينين،

كاتبي التقاريرِ عن شعراءٍ لا ينامون في أسرّة الظلام،

الليلُ نصٌ مُغلقٌ على بداياته منفرجٌ على النهايات

أبجديةُ صمتٍ زائفٍ، رومانسيةٌ حمقاء،

فرضيةُ النأي عن الحبيبِ المدجّجِ بالشوق المستعار

الليلُ جدارٌ شديدُ الشّفافية لكنه مرئيّ

يفصل بين فكرتين حائرتين، لونين متنافرين، حلُمين عدوّين

الليل أكثر من نهارٍ أسود، أكثرُ من هدوءٍ على حافة الكون

أقلُّ من فوضى الفراشات عند الظهيرة

الليلُ صوتُ الفراغ العالي، غناءٌ أجوفٌ

نايٌ تنفخ في قصب الوقت الضائع رقصةً صامتةً لأطرافِ الكرةِ الأرضية

تطرب فيها كائناتُ التراب،

الليلُ أكثرُ من عذاب الطامحين إلى السّكينة أو أقلُّ من فَرحِ العصافير عند ضفّةِ المغيب،

الليلُ وشوشةُ المصير، انبهارُ الذاتِ بالتهيؤات

احتواءُ الرّعونةِ، اعترافٌ بالخطيئة

الليلُ مَحكمةُ الخارجين عن تقاليد النهار الداخلينَ إلى البصيرة، من زاوية اللاشيء

حيث كل شيءٍ، يغيب في حروفه كاللغات القديمة،

الليلُ صالةُ العزاءِ للمهرّجينَ يدخلونها من بوابة الذكورة المنتقاة،

يخرجون من بوابة أخرى، تُطِلّ على موجتين مثليّتين،

حيث نورسان عاشقان، يقيمان وليمةً للوداع الأخيرِ احتفالاً بموت الصغار،

الليلُ أكثرُ تعقيداً من لوحةٍ تجريديةٍ مُزدانةٍ بالفراغ

يفسّرها الراقصون بفجوةٍ في الخاصرة،

الليلُ قاموسٌ لمفردةٍ نادرة لها أكثرُ من معنىً، وأقلُّ من أبجديةٍ جاثية،

الليلُ رقصةٌ صوفيةٌ تؤديها نجمةُ الصّبح وهي عارية،

ثم تغيب في أبدية الظلال، وهي باكية ..

زر الذهاب إلى الأعلى