إطلالة نقدية على رواية “مدينة للعناكب” للكاتبة يسرى الخطيب..بقلم: عبد الرحيم حمدان

إطلالة نقدية على رواية “مدينة للعناكب” للكاتبة يسرى الخطيب
إعـــــــــــداد: د. عبد الرحيم حمدان/ ناقد أدبي
“مدينة للعناكب” رواية للكاتبة الشاعرة يسرى الخطيب([1])، صدرت مؤخرًا عن مكتبة سمير منصور للطباعة والنشر في غزة، في طبعتها الأولى سنة ٢٠٢٣م، تقع الرواية في ثلاثمئة واثنتين من الصفحات من الحجم المتوسط، وسيتم تناولها على النحو الآتي:
أولا – المضمون الفكري للرواية:
تدور الرواية حول ثيمة أساسية هي تصوير أوجاع أسرة فلسطينية تعيش التمزق والشتت والغربة شأنها في ذلك شأن كثير من الأسر الفلسطينية؛ بسبب الاحتلال الصهيوني، وما نجم عنه من انتفاضة مباركة، ومن حصار مقيت، وانقسام بغيض. فقسم منها يعيش في غزة، وقسم ثان يعيش في دول الخليج، وقسم أخير يعيش في دول أوروبية. وحين اعتقل ابنهم “شريف” المناضل المقاوم، وأودع السجن، وتوفي فيه، انقلبت حياة الأسرة الهادئة رأسًاً على عقب، وتحولت إلى اضراب وخوف وقلق وتمزق، وحاول أفرادها إثبات براءة ابنهم شريف المناضل الحر. وأن التهم التي ألحقت به تهم غير حقيقة، وأنه أخذ غدراً، وأنه نيلَ من تاريخ العائلة النضالي، وشُوّهت سمعتها . يقول العم “إسماعيل” واصفاً حياة أسرته:
“عشنا قدَرنا كأيّ عائلة فلسطينية مُشتَتَةٍ، عاشت النكبة والنزوح، وشهدت النكسة والحروب الثلاثة، وتناثَرَتْ أحلامها ، وتوزعت في بلاد الله بحثاً عن لقمة العيش والحياة بعزٍ وكرامة بعيداً عن يد الجلاد”(الرواية ١٤٧).
ويقول كريم الذي جسّد شريحة المغتربين عن وطنهم، واصفًا حاله، فيقول:
” لم أتخلَّ يومًا عن أصدقائِي وجيرانِي في الوطنِ، لمْ أُكَوِّنْ هنا من الصداقاتِ إلا القليلَ، وروحِي معلقة هناك، أتجَوَّلُ بين أصدقائِي، أتابِعُ أخبارَهُم، أتقَصَّى أخبارَ المواليدِ وحالاتِ الوفياتِ، ومواعيدَ جدولِ الكهرباءِ والمياهِ، وأخبارَ الرواتبِ والخصوماتِ والضرائبِ، والتحويلاتِ الطبيَّةِ، وغلاءِ الأسعارِ، وإغلاقِ المعابرِ والحصارِ. وصوت الزَّنَّاناتِ والقصفِ، والاجتياحاتِ الليليَّةِ، ومرضَى السرطانِ؛ نحنُ لا نَمَلُّ الحديثَ عن غزَّةَ “(الرواية، ص:201 ).
وقد أسندتْ ألمؤلفة كتابة الرواية إلى إحدى شخصيات الرواية وهي “آسيا”؛ لأنها كانت كاتمة الأسرار، والعارفة بكل التفاصيل، فهي الشاهدة على الحدث، وهي -أيضاً- جزء منه، والمتضررة الأولى من تبعاته، وصاحبة حقٍ أرادت استرجاعه.
ثانيا- دراسة الخطاب السردي للرواية:
أ – الحدث في رواية ( مدينة للعناكب):
يعد الحدث عنصراً من أهم عناصر البناء الروائي؛ لأن الرواية فنّ درامي يقوم على أساس الحدث، أو الأحداث التي تقع، أو التي يمكن أن تقع، والرواية الجيدة هي الرواية المحبوكة، التي تكون الأحداث فيها منسقة بشكل مقنع” ([2]).
وعلى الكاتب أن يختار أحداثاً” تشاكل الواقع الموضوعي، لكنها لا تطابقه، فهي تنقاد بخيوط خفية لتنتهي نهاية غير اعتباطية، ولتقدم وجهة نظر، أو رؤية أو معنى. وقلما يدخل في القصة حدث ناشز، أو يحشر فيها حشرا عشوائياً موقف لا رؤية له([3]).
الحدث الروائي لا يكون صورة طبق الأصل عن الحدث الواقعي الحقيقي؛ وإنما الحدث المتشكل في مخيلة الروائي أي: الواقع الفني الذي يخلقه الروائي بقدرته الإبداعية المرتكزة على المخيلة المحاكي للواقع لكن لا يماثله تماماً ([4]).
تدور أحداث الرواية حول حدث أساسي هو اعتقال أحد أبناء أسرة فلسطينية، وهو المناضل “شريف” والمشهود له بالنزاهة، والأمانة، والوطنية، ومقاومة الاحتلال، بينما تتباين الروايات حول سبب اعتقاله، وسبب وفاته، إذ يُزعم أنه مات داخل السجن فجأة، وبقيت عائلته تصارع حالةً من الشك والخوف بين أفراد الأسرة، مع انخراطها في رحلة مضنية للبحث عن أسباب اختفائه، ودأبت في جمع الأدلة والبراهين لإثبات براءته، وتطهير سمعة العائلة التي نالت منها الألسن، وتحاول الكاتبة أن تنطلق في تصوير الأحداث من الهموم الذاتية لهذه الأسرة إلى الهموم الجمعية العامة هموم المدينة، وتنتهي الرواية دون الوصول إلى الحقيقة في معرفة مصير هذا المناضل المجاهد “شريف”، عليه يظل لغز موته مجهولاً، وفي هذا تشويق للقارئ لمعرفة السر.
ب – العتبات النصية:
1 – العنوان: حملت “الرواية” عنوانًا لافتًا مثيرًا للتساؤل؛ وهو عنوان غير مباشر إنه يحمل دلالات رمزية. فالعنوان يمثل دالة مهمة، وإشارة بيانية إيحائية من قبل الكاتب المرسل الى المتلقي المرسل إليه، يوقف عنده الكاتب كثيراً؛ ليكون بمستوى المتن الحكائي وهويته أولاً، ووسيلة جذب انتباه القارئ لاستيضاح ما يخفى وما يبطن من خلال اندفاع المتلقي لمعرفة ذلك عند قراءته للنص السردي ثانياً، وبذلك يحقق الكاتب هدفه في الكتابة من خلال العنوان اللافت، والمثير للتساؤل.
فعنوان “مدينة للعناكب” يحمل أبعاداً جمالية ورمزية، فالمدينة هي مدينة غزة، والعناكب ترمز للمعاناة التي يعانيها أهل غزة من احتلال وحصار وانقسام.
فالمدينة تعاني من وهن وضعف في نسيجها السياسي والاجتماعي والأسري والثقافي، ففي عالم العناكب يظهر حب السيادة، وتضخيم الأنا، والرغبة والسعي للوصول واعتلاء القمة، وفي المقابل يدفع باقي سكان المدينة التي تبقى منزوعة الإرادة وخياراتها محدودة ثمن هذا التسلط، أن القوي يأكل الضعيف، وهو ما نراه واضحًا في مجتمع العناكب، إذ تتخلص الأنثى من الذكر بعد التخصيب، بينما إذا ما قوي ابنها واشتد عوده يتخلص من أمه؛ ليسجل أكبر عملية عقوق عرفها التاريخ([5]).
وقد عبرت الرواية عن ذلك على لسان “آسيا” إحدى شخصيات الرواية بقولها:“- تأثرتُ جداً بما قرأتُ وشاهدتُ، ورأيتُ بأمّ عينِي أَنَّ غزَّةَ أيضًا مدينةٌ تغزوها العناكِبُ؛ فالأمرُ ليسَ حِكْرًا على مدن البرازيل فقط“(الرواية ص : ٢٧٢). وتردف قائلة:
“أصبحنا نشبه أمة العناكب، فللعناكب حياة منظمة، وقوانين مرتبةٌ، تنسج خيوطها، وتبني لها بيوتاً؛ لتدافع بها عن نفسها، وبالرغم من قوة خُيوطها ومتانتها؛ فإنها بيوت ضعيفة لا ترخي علينا ظلاً، ولا تَقينَا مِنْ حرارة الشمس، وتتمزق خيوطها من أول قطرة مطر، هَشةٌ كبيوتنا تماماً، لا تُنجينا مِنْ تقلبات الطقس، ضعيفةً تخذلنا، وتنهار عند أي هجومٍ مِنَ الخارج، ومعظم بيوتنا اليوم كبيوت العناكب، تقوم على المنفعة وتفتقر للسعادة؛ والسبب تباين المصالح الشخصية والمادية” (الرواية، ص : ٢٧٤).
وهكذا يغدو العنوان في هذه الرواية المفتاحَ الذهبي الذي عن طريقه يتمكن القارئ من أن يدلف إلى طرق الرواية ودهاليزها، ويتعرف إلى مضامينها وتراكيبها.
2 – غلاف الرواية: توشّح غلاف الرواية برسمٍ لبيت من بيوت العنكبوت في ألوان داكنة معتمة يشع منها ملامح الحزن وعلائم الأسى فيما احتوى الغلاف في أعلاه تقريبًا اسم الكاتبة، وعنوان الرواية بخط أبيض بارز، والحقّ إن الغلاف يحمل في طيّاته إيحاءً يُغري القارئ باستكناه النص، وسبر أغواره.
3 – الإهداء :
افتتحت الكاتبة روايتها بالإهداء، وهو عتبة مقدماتية تكشف عن مكنون الرواية وفلسفتها ومضمونها الفكري، تقول الروائية على لسان المهدِي، وهي “آسيا” إحدى شخصيات الرواية إلى المهدَى إليه أخيها الشهيد المناضل “شريف”، وذلك في لغة شاعرية مؤثرة، مترعة بالإيحاء :
إلى مَنْ عَمَّدني بظله؛ لأرتقَ به ثقوبَ الخيبات، وأعْبرَ دروبَ اليقين إلى أخي “شريف” “آسيا”. (الرواية ص 15 ).
4 – الراوي والخطاب الروائي:
تسمى الرواية التي يتعدد فيها الرواة بالرواية متعددة الأصوات، مقابل ما يسمى بالرواية أحادية الصوت التي من شأنها أن تلغي الآخر، وتغيّبه؛ بينما يقوم نظام تعدد الأصوات على حوار عميق متبادل بين كافة الأصوات، سواء في الرواية أم التاريخ أم المجتمع.
والراوي هو المسؤول عن تقديم الكلام، وهو يحاول أن يقلص حضوره؛ ليوهم القارئ بواقعية الحكاية أو حيادية النظرة أو آنية الأحداث.
تتألف الرواية في عمومها من ثلاث عشرة وحدة سردية، وبعض الوحدات السردية تتعلق بوحدات سردية أخرى، ويبدو أن هذا التقسيم مقصود فنياً ومشتغل عليه. وتتناوب كل شخصية فيها السرد، وتتجاذب أطراف الحديث، وقد جاءت الفصول على النحو الآتي: مجدولين، أسدود، كريم، يوسف، عز الدين، آسيا، العَمُّ إسماعيل، مجدولين، أسدود، كريم ، يوسف، عز الدين، آسيا. وقد أتيح للشخصية الواحدة أن تروي فصلين، وفقا للأحداث والوقائع، وربطت الكاتبة الفصول جميعها بخيط حريري خفي، ولا يمكن للقارئ في الوقت نفسه من قراءة كل قسم بوصفه قصةً قائمة بذاتها، إذ يكمل كل فصل سائر الفصول. وهكذا اعتمدت الرواية أسلوباً روائياً غير تقليدي، وهو التنقل بين الشخصيات، فيعيش القارئ عدة أحداث معاً، لتلتقي في النهاية كل الأحداث والخطوط المتشابكة في بوتقة واحدة.
وثمة تنوع آخر في الرواة ما بين الأنثى والذكر، ومن هنا كان غرضه إضفاء حركية قوية على الفعل في الرواية. وهذا التنوع في الرواة يجلب التركيز على أحداث معينة، ويعلن تعدد وجهات النظر إلى الأحداث، ومن زوايا متنوعة، ويساهم في تطور أحداث الرواية ووقائعها . ويلحظ المتلقي المتأمل وجود الحوارات الخارجية والداخلية التي تدور بين الشخصيات، بيد أن صوت البطل السارد يظل هو الطاغي . وراوي كل فصل يتكلم بضمير المتكلم بصيغة الحاضر حيناً، ويرجع يستذكر الماضي والأحداث التي عاشها مع أسرته أحايين أخرى . يقول الراوي وهو شخصية “ماجدولين” في الفصل الأول من الرواية والمعنون باسمها، تقول:
“كلما جلستُ قُبالته، أتعمَّدُ مُرغمةً تجنُّبَه لأسبابٍ يُدركُهَا لن أبوح له بحِوارٍ ربما أندم عليه لاحقاً، وأنا لا أعرفُ الإجابة عن أيُّة مِنْ تساؤلاتِهِ، ولا أملك القدرة على محو الشك المطل من عينيه ويطاردني، ما يدفعني للهروب منه؛ يقيني بأنَّهُ يعرفُ أكثر مني عن أسباب صمتي وابتعادي” (الرواية ص: ١٧ ).
يتدفق السرد من ثنايا هذه الأسطر في يسر وسهوله معبرة عن حالة نفسية وفكرية معتمة يلفها الغموض الذي يتولد عنه التلهف والشغف لمعرفة الشخصية التي يتحدث عنها الراوي.
ج – اللغة: والسرد، الوصف والحوار:
في سبيل البحث في آليات تشكل المعنى وتمفصلها من زاوية تركيب الأجزاء، والإيحاء الدلالي وصولاً إلى بناء شكل الدلالة يتبين أن أبرز ما يتميز به المبنى السردي في الرواية؛ توظيفُها للتشكيل اللغوي، إذ يشعر المتلقي أن الكاتبة تهيمن على لغة روايتها وتسيطر عليها، وكأنها ربان سفينة ماهر يمسك بخيوط مركبه ويسيّرها كما يشاء؛ ليعبّر بوساطتها عن مشاعره وأفكاره بأسلوب واضح وجليُ وموح, وبلغة سردية غير عادية.
إن اللغة في الرواية هي الركيزة الأولى والأهم في بنائها الفني، فاللغة تصف الشخصية أو تمكن الشخصية من وصف شيء ما، واللغة هي التي تحدد وتبني غيرها من عناصر الرواية كحيزي الزمان والمكان، واللغة هي أيضاً التي تحدد وتبني الأحداث التي تجري في الرواية.
1 – لغة السرد :
اتكأت الكاتبة في صياغتها الفنية لمتنها الروائي على السرد ولجأت إلى تقنية الأصوات المتعددة في سرد خطابها الروائي، ولكنها لم تكتفِ بهذه الطريقة في التعبير؛ وإنما اتكأت على الحوار بنوعيه للتعبير عن مواقف الشخصيات، واستنطاق وجهات نظرهم ومنظوراتهم وفلسفاتهم.
وقد جاء السرد متدفقاً وبسيطاً، استخدمت فيه الكاتبة أسلوب الإقناع في الخطاب السردي؛ ليتوقع المتلقي أنّ “شريف” قُتل غدراً وظلماً، ويتجلى ذلك بوضوح حين ينقل الراوي الخطاب عن الآخرين، ولا يأتي بالكلام من عنده، بمعنى أن السارد ينقل الخطاب؛ بوصفه سارداً ديموقراطياً لا يقول إلا ما يتلقى، إنه يقول: إن هذه عبارة قالها فلان، أما أنا فمجرد راوٍ أنقل ما أسمع، هنا تحضر أول خاصية في الإقناع، بنقل كلام منطقي يحدد طبيعة المسافة بين السارد والمسرود له، وبين السارد والمتلقي، ثم بين الكاتب والقارئ، كل ذلك لبناء رواية عصرية تحترم شرط السرد الحداثي .
ويلحظ المتلقي أن الكاتبة قد أحجمت في هذه الإطلالة عن ذكر التفاصيل السردية والجزئيات؛ كيلا تمسَّ بمتعة قراءتها بالنسبة للذين أتمنى لهم أن يقرأها.
ومن أساليب السرد؛ آليةُ التشويق والشغف، فالمتلقي لا يدرك القضية الأساسية للرواية إلا بعد مرور وقت طويل من الخطاب، إنه يوظف عنصر التموية، الراوي يحكي عن كل شيء ما عدا الحديث عن البطل المناضل “شريف”.
لعبة أخرى تلعبها الكاتبة في الكتابة، وهو اختزال الزمن الطويل في لحظة قصيرة جداً، هذا ما يسمى بالزمن المختزل في الرواية، تقول عن أسيا الصغيرة وهي طفلة، ثم كبرت على غير أوانها:
“آسيا” في الرابعة والعشرين من عمرها، ولم تعد طفلة الآن أَنْها تشعُرُ بالاختناق؛ لأنَّ جدَّتِي شدَّدَتْ عليها الحصار والمراقبَة” (ص ٢٠٨).
في مقطع قصير ذكر أن آسيا كبرت وامتد الزمن الطويل في لحظة قصيرة، فأصبح يحميها، زمن شاسع، يُختصر في جزء قصير ليحول السرد .
ولغة السرد في الرواية محكمة تشتمل على تقنية التذكر وتداعي الأفكار والمواقف من خلال الاسترجاع، وهو استرجاع معلومات بالعودة إلى زمن ما قبل بداية الرواية([6]) .
وهذه التقنية توقف حركة الأحداث زمنيا لرؤية مشهد من المشاهد، أو تذكر حادث من الحوادث، وترجع إلى الماضي لتذكره ثم تعود إلى حركة الزمن في الحاضر، وهذه التقنية تعمق المعنى وتثريه وتطوره، وتخلص المتلقي من الرتابة، ومن خلالها يكون النص في نجوة من التراتبية الزمنية، وقد وظفت الكاتبة هذه التقنية باستخدام فعل يدل على التذكر مثل: أتذكر، استرجع، تقول الشخصية أسدود:
” أسترجع رواية جدتي وعمتي “هند” عن عودة أبي إلى غزة بعد أشهر من اندلاع الانتفاضة الأولى مصطحبا معه زوجته البريطانية وابنتهما التي لم تكمل عامها الأول، مجدل وأكثر جزء كانتْ تَرَكَّز عليه وتعبر غضبها : كيف أن زوجَتَهُ الأجنبية لم تحتمل العيش معهم شهور، وهربَتْ إلى بلدِهَا تلك الحكاية حفظناها عن ظهر قلب”( الرواية ص ٥٠ ).
أما تقنية الوصف، فجاء توظيف الكاتب لها توظيفاً موفقاً، إذ ركزت على وصف الشخصيات وأبعادها المتعددة الجسدية والنفسية، والثقافية. تقول الكاتبة تقول في وصف “يوسف”:
” كثير الشبه بخالي “خالد”، طويل ومفتول العضلاتِ، هادئ، رزين، قليل الكلام، انتقائي في اختيار قصد قر ويأخذ الحياة على محمل الجد، كانَ مَثَلَهُ حَنونًا، عَطُوفًا ومضحياً من أجل الآخرين؛ لذلك كان الأكثر منا حظوة ودلالاً عندَ جَدنَّي، إلا أنَّ خالي كان أبيض البشرة، وناعم الشعر، وعيناه خضراوان كعينَي جَدَّي “زينب”، عكسنا أنا و”يوسف” تماماً” ( الرواية ٧٩).
فالكاتبة في المقطع السابق لم تقتصر على الانزياح على مستوى التراكيب والجمل، بل تتعداه إلى الصور البيانية، وهي حافلة، فلا تخلو روايتها ن من مثل هذه الصور البلاغية والأساليب المجازية التي لها الأثر البيّن على لغة النثر والسرد من ميسم الشعرية، وفيض الأنوثة.
وفي موضع آخر تقول حين في وصفها لملامح الشخصية على البعد النفسي، تصف “اسدود” شخصية “مجد”:
“لقد حصَّنَتْ “مجد” رُوحَهَا بعنادٍ لا يُقْهَرُ، كانت وما زالتْ حادَّةً كسكين.. عنيدةً كصخرة لا تلينُ.. شامخةً كجبل أَشَم.. والحياة عندَها مَحْضُ قرارٍ كَما تعوَّدَتْ” ( الرواية ص: ).
لم يأتِ هذا الوصف لأبعاد الشخصية المتعددة منفصلاً عن أحداث الرواية، وإنما متمماً لها، ومكملاً لمواقفها. وقد تجلى فيها كثير من سمات تلك الرواية لغتُها الشاعرية بما تحتويه من دوال منتقاة مترعة بالإيحاءات، ولغة انفعالية متوترة، وإيماءات نفسية، وصور استعارية، ومثاله قول الشخصية :
“أصبحتُ هائماً في الهواء، سائبًا كَكُرة طائرة في فراغ لعين، اقتلعوني من جذوري، تساقطتْ أوراقي، وبت عاريا لا شيء يسترني، أمشِي حَاسِرَ الرأس؛ كشجرة عارية سقطت أوراقها ، وتطايرتُ بينَ السماء والأرض، لقد جعلوني أكبر عمرًا أخر (الرواية ص ١١٦ ).
استوعب هذا المقطع النثري بعض ملامح شاعرية اللغة، ومن هذه الملامح: اختيار الألفاظ والكلمات العامرة بالإيحاء، والدلالات الغنية، والقوة المجازية، وانفتاح الدلالة وتعددها، والصور الفنية المبنية على التجسيد والتشخيص، واللغة الشديدة التكثيف والاختزال والتوتر، ومثل هذه اللغة تحتاج من المتلقي قدراً كبيراً من التروي والتأمل والإدراك حتى يتمكن من فضّ مغاليق النص.
2 – لغة الحوار الدرامي بنوعيه، الخارجي والداخلي:
يمثل الحوار وسيلة رئيسة من وسائل السرد الروائي في رسم الشخصيات، والإبانة عن مستواها الثقافي والفكري والاجتماعي، كذلك يهدف إلى الكشف عن مدى التأثير والتأثر فيما بين أحداث الرواية بشكل سردٍ روائي ينطوي على خصائص فنية عديدة.
وكان الحوار الخارجي بين الشخصيات هو الأسلوب المهيمن على النص الروائي، بيد أنه يؤخذ على الحوار الخارجي بعده عن التكثيف والاختصار وقربه من التطويل والاستطراد، فعلى الرغم من أن الحوار يدفع حركة الحوار إلى الإمام ويساهم في تطورها، فإنه يسبب الملل والرتابة والسأم للمتلقي، إذ يجد المتلقي أن الحوار يطول ليستغرق خمس عشرة صفحة ومثاله: الحوار الذي دار بين كريم ويوسف الذي امتد من صفحة( 81) إلى صفحة (95 ).
ومن الخصائص اللغوية التي يتسم بها المتن السردي النِّسْوي نجد الشكل الطباعي، وتتجلى هذه الخصصية في تقنية البياض ونقاط الاسترسال. ومن أمثلة ذلك؛ الحوارُ الخارجي الذي دار بين ” كريم” و”يوسف”:
– معَكَ كُلَّ الحَقِّ في شككَ وقلقِكَ، لكنَّكَ ما بالغت، فهي دوما خائفةً وقلقةٌ، لكنْ لِمَ قرّرْت السفر هذه المرة دور مقدمات، وأنتَ لا يوجد معك دليل قاطع يثبت براءة ” شريف”؟
-………….
– أنت تلهيني بخوفك على “آسيا” والآخرين، أعتقد أن لديك أسباباً أخرى، وتخفيها عنا جميعا. ……………….-
-كيف تتفهمك وأنت تحيطها بالغموض والأسرارِ ، وتغرسُ في عليها بذور الشك ؟!.-
– ………..
استثمرت الكاتبة الحوار الدرامي؛ لتقديم معلومات وأحداث جديدة، مستغلة في ذلك علامة الحذف، وهي من العلامات التي وظفتها الكاتبة في ثنايا النص، وهذه العلامة تحدث تنبيها للقارئ؛ ليكتشف بواسطتها بعض خبايا النص، ونمط اللغة الحوارية، وهي تدخل في قراءة النص الروائي، وتشارك في بناء معالمه؛ وهي تشرك المتلقي في تخيّل ما سيحدث من وقائع، وتوقع ما تفصح عنه العبارات من معان ودلالات جديدة.
فقد وظفت الكاتبة تقنية البياض المترتب بين كل حوار وحوار، فكأن الكلمات لا يمكنها أن تعبِّر عن خلجات نفس الراوي الذي أرهقته الغربة وأتعبه الشوق والحنين إلى “شريف” المناضل الغائب، فتراجعت الكلمات؛ لتحل محلها نقاط متتابعة تكمل بقية الأسطر، وتمجّد بلاغة الصمت، وتردد الصوت .
استثمرت الكاتبة تقنية الحذف هذه؛ لتعبر عن ملمح من ملامح شخصية “يوسف” التي من طبيعتها إيثار الصمت على الكلام، فهو قد عدل عن الكلام إلى الصمت مقرراً الاحتفاظ لنفسه بالكلام، ولم يأتِ استعمال هذه التقنية بريئاً أو اعتباطي الدلالة، وإنما له بعد جمالي ورمزي لا يتحقق دونها، خاصة داخل الحوارات فهي تعد عنصراً تكميلياً، ولها دلالة بالغة في المعنى، وعلى المتلقي أن يملأ الفراغات وفق معرفته ومعلوماته، فلكل قارئ طريقته الخاصة في صياغة المعنى، وملء الفراغات. إن استخدام مثل هذه التقنية يقضى على ما في الحوار من رتابة النثر وصلابته.
ومن أمثلة الحوار الدرامي الخارجي ما دار بين “ماجدولين” و”أسدود”، تبدأ ماجدولين الحوار، فتقول:
– ما زلتِ تمتلكينَ رُوحَ الدُعَابَةِ، إلى غزة!! وفي هذا التوقيت بالذات ووسط كُلِّ هذه الظروف !
– أنا لا أمزَحُ؛ لأنَّ ما أعيشُهُ الآن أفشل مسرحية ساخرة.
– لأنك غاضبةً وتتألمين تقولينَ كَلامًاً سَخيفاً، و تثرثرين باتهامات فارغة.
– لم أعدْ أتألم، وتوقَفْتُ عن البكاء، ومنذ فترة امتنعتُ عن التَّذَمُّرِ والغضب، ولكنّي قرَّرتُ عدم التحليل والتماس الأعذار لأيّ أحد.
– أمامي مُعادَلَةٌ واحدةٌ فقط، صريحة وواضحة ولا تخطئ(١+١=٢).
– ما أسهل أنْ تُغَيَّري إعدادَاتِكِ يا “مجد”، تفكرين كآلةٍ حاسبة!!
أعرفُ أنَّ “أسدود” كما في كل مرة – تُحاول تَشْتِيتَ انتباهي واقتيادي إلى متاهات ورموز يَتوجَبُ عليَّ فَكُ شِيفرتها لوحدي مُعْتَمِدَةً على ذكَائِي، ولكني خرجتُ من حوار لن أكونَ فيه صاحبَةً الكلمة الأخيرة؛ لأنَّ أختي” أسدود” التي أعرفها جيدًا لا تُنهي حوارًا بَدَأَتْهُ، وَعَلى ما يبدو أنَّني في السنوات التي عِشْتُهَا مَعَ عَائلتي الحقيقية لم أتعلم منهم إلا المراوغَةَ وَفَنَّ الهروب.(الرواية ٣٦ ، ٣٧ ).
يتدفق الحوار الدرامي في هذا المقطع في حوار مكثف موجز؛ وفقاً لما يتطلبه السياق؛ لخدمة النص الروائي.
وجاء هذا الحوار في لغة ميسرة متوترة، وبسيطة صافية سليمة، تنأى عن الأخطاء الطباعية التي تقع فيها كثير من الروايات، مع عنايتها واهتمامها بتوظيف علامات الترقيم بدقة وإتقان داخل الخطاب الروائي.
ويجد المتلقي الوطن أن لغة الرواية هي لغة فنية ذات دلالات إيحائية جمالية، وتتشكل دلالات هذه اللغة ضمن بنية النص الروائي الداخلية والسياق الخارجي.
ولم تقف الرواية عند توظيف الحوار الخارجي، وإنما عمدتْ إلى توظيف الحوار الداخلي الذي يكشف عن المشاعر الداخلية للشخصية، وفيه تبوح الشخصية برؤاها وأفكارها المستكنة، وتكشف عما خفي منها، يحاور نفسه “العم إسماعيل” :
“أمضيتُ عُمرِي مُغترباً، تركتُ أهلي ووطني وعائلتي؛ لأناضِلَ هنا وأَعَزّزَ صُمودَهُمْ هناك، ليعيشوا حياة كريمة؛ لأكون يدَ عونٍ تنتشلُهُمْ مِنَ الفقر والجوع، سعيتُ أن أكون لهم الجدار الذي يحتمون به وقتَ السقوط. عشْتُ شامخاً ومتباهيًا بما أفعل، وأدافع عن قضيتي أمام كل متخاذل ومشككِ، كيف سأواجه الآنَ كُلّ هذا الخراب؟!. هل أعودُ الآنَ إلى غزةَ وأنا أرتَدِي ثوبَ الذل الذي فصَّلوه لي زوراً وبهتانا ؟! (الرواية، ص: 162 ).
ساهم الحوار المشهد الحواري السابق في الكشف عن تفاصيل غائبة، وأحداث سالفة، وعن خلفية الأحـداث وتطورها.
جنحت الكاتبة في مقاطع أخرى لاستخدام تقنية الحوار الداخلي في روايتها؛ بوصفها أداة تعبيرية جمالية؛ لسبر أغوار النفس البشرية، حركاتها، ومشاعرها، بما يعكس الأفكار الداخلية للشخصية، كما يسجل الخبرة الانفعالية للفرد ويغلغل الأغوار النفسية إلى المستويات التي تفصح عنها بالكلمات، حيث الصور تمثل الإحساسات والانفعالات.
ومن أنواع الحوار الداخلي المناجاة، ومن أمثلتها قول “يوسف” وهو يناجي أخاه الشهيد شريف المناضل المغدور، فيقول:
” لو صدقوا بادعائهم بأنك انتحرت، كيف هانت عليك نفسك؟! كيفَ هُنا عليك، وتركتنا وحدنا بلا أحد ؟!
لن أعيشَ في سلامٍ في مدينةِ اعْتَالَتْكَ، وَتَنكَّرَتْ لنضالك، وحرمتني منك، ولن أنام مطمئِناً ومرتاحًا في أحضانِ مدينةٍ لم تتسع إلا لقبرك، وموتي حيًّا .
“شريف”، عُدْتُ مِنْ أجلِكَ يا أخي ومِنْ أجلي، ومن أجل قدميّ أبي اللتين وهبهما قُربانًا لهذه المدينة الكسيحةِ” (الرواية ص:١٠٩).
ويجنح الحوار أحياناً لمراعاة المستويات اللغوية للشخصيات فتتكلم بعض الشخصيات بلغة الحياة اليومية القريبة لغة الناس المحكية.
فإلى جانب الكلمات الفصيحة المشبعة بالبلاغة الشعرية تتراصف إلى جانبها كلماتٌ عامية، بسيطة، متداولة، تستمدها الروائية من الكلام العامي أو من التراث الشعبي كما فعلت في الحوار الذي جرى بين الجدة ويوسف، تقول الجدة:
– لا يا حبيبي، اطلع من حجري ولا تخاف من حد، وأول ما تطل براسك خليهم يصيدوك. – مش أنا اللي جبان وأطل براسي، أنا طالع قدام الجميع، واقف بطولي ورافع راسي ومش خايف من حدا.
– نشمي والله من يومك
-ما عندي شيء أخجل منه احنا أولاد الفدائي ” خليل بركـات” ( الرواية ص٢١٩ ).
وتقول الجدة “زينب” بلغة الحياة اليومية :
“الله يسامح أبوك، فقد عقله لما تزوج الأجنبية الغريبة اللي لا هي من ثوبنا، ولا لحمها من لحمنا، ولا حالها من حالنا، ما تحملت عيشتنا أخذت بنتنا اللي من لحمنا ودمنا وهربت فيها على بلادها (الرواية، ص:٥١). واستطردت قائلة:
- يمه، الأجنبيَّات مش للشدة ولا لتعمير البيوت، أبوك صار بين نارين زوجته وبنته من جهة، وأنا وعمك خليل وأولاده وعمتك “هند” وابنها من جهة ثانية يا حسرة قلبي عليه، الحنون ما طاوعه قلبه يتركنا بهيك ظروف، وأنا شو كان بيدي أعمل زوجته “ندى” بنت “المختار عثمان” جارنا وحبيب جدك الروح بالروح وأخوه من أيام الهجرة” ( الرواية، ص: 51).
في هذا المقطع السردي اعتمدت الكاتبة ألفاظاً دارجة عامية في شكل حوار بين الجدة ويوسف، ولا توجد أفضل من هذه الألفاظ والكلمات؛ لتناسب مستوى الشخصيات الثقافي والاجتماعي، وتعبر عما يجول في خواطرهم، إذ لا يمكن أن تسند إلى الجدة لغة شعرية راقية مليئة بالمجازات والصور، تجلت الألفاظ العامية ضمن الحوار القائم بين الشخصيات فتعبّر عن مقصدها مباشرة دون مبالغة أو ترميز.
كما قد تبرز هذه الألفاظ العامية ضمن الحوار القائم بين الشخصيات فتعبّر عن مقصدها مباشرة دون مبالغة أو ترميز.
وأنه إلى جانب الكلمات الفصيحة الناضحة بالبلاغة الشعرية تتراصف إلى جانبها كلمات عامية، بسيطة، متداولة، تستمدها الروائية من الكلام العامي أو من التراث الشعبي.
هذا ما أرادت الكاتبة أن توصله إلينا، وبدل أن تستخدم الأسلوب الوعظي المباشر أو تسرد لنا قصة يعلمها صغيرنا و كبيرنا ، فإنها لجأت إلى ما يستعذبه القارئ بخاصة والقارئ العربي بعامة. وهكذا، أدى الحوار وظائفه الفنية المعهودة، وكان إيجابيا في تأصيل التحليل النفسي للشخصيات بعامة.
3 – التناص التراثي:
من سمات لغة الرواية ميلها إلى توظيف التناص التراثي الشعبي لا سيما الأمثال الشعبية: ومن إيراد الأمثال الشعبية في الرواية مثل:
-“من طينة بلادك حط ع خدادك“.
-“زيوان بلادك، ولا قمح الغريب”([7]).
يضرب المثل يضرب المثل بالِّزيوان في تفضيل ما للإنسان والقناعة به.
ومن الأمثال “كل ما دق الكوز بالجرة”، وهو مثل عربي قديم يضرب للدلالة عن تكرار حدوث أمر ما. والأصل في هذا المثل هو أن الناس قديما كانوا يحفظون الماء الذي يشربون منه في منازلهم في جرار من فخار وكانوا يضعون كوزا من المعدن يملأونه من الجرة ليشربوا منه فيرتطم الكوز بعنق الجرة كلما أراد احدهم أن يشرب([8]).
ومن الأمثال العربية: “بيدي لا بيد عمرو”. مقولة مشهورة قالتها الزباء ملكة تدمر حين أيقنت حتفها، فمصّت خاتمَها الذي كان يحتوي على السُم وماتت. وذهبت مقولتها مثلاً حينما يرضى الشخص بإفساد ما يملكه بدلاً من أن يحدث ذلك بيد عدوه([9]).
ومن الأمثال العربية المشهورة والذائعة الصيت التي وظفتها الكاتبة خدمة للمتن القصصي المثل الشعبي الذي يقول: وإن غدا لناظره قريب، وهو مثل يقال ترغيباً في الانتظار، والناظر: المنتظِر([10]).
ومن المقولات التراثية، قول الإمام أحمد بن حنبل: تسعة أشار العافية في التغافل عن الزلات، بل هو العافية كلها “( الرواية ص :٦٢) .
ومن المقولات التراثية: “اليتيم هو يتيم الأم، مش يتيم الأب” . والواقع أن اليتيم هو ذلك الفرد الذي فقد من يحميه ويتولاه في سن الطفولة وبقى وحيداً، سواء أكان قد فقد أباه، أو أمه أو الاثنين معاً، ومقولة: “لن نخسر أكثر مما خسرنا . ”
إن مثل هذا التناص يغني النص السردي ويثريه، ويؤشر إلى اتساع ثقافة الكاتب، وغزارة معارفه، وهو متصل اتصالاً عضوياً بالنص الروائي لا ينفصل عنه.
ويجد المتلقي أن لغة الرواية هي لغة فنية ذات دلالات إيحائية جمالية، وتتشكل دلالات هذه اللغة ضمن بنية النص الروائي الداخلية والسياق الخارجي.
فالرواة يحكون بلغة أنثوية ساحرة تتدفق بمشاعر وإيحاءات، فهي بهذه اللغة تتمكن من أن تبوح وتعبر عن خلجاتها الأنثوية المكبوتة.
والمتابع لكتابات الكاتبة يسرى الخطيب الروائية يكتشف أن ثمة تطوراً في نسق إبداع الكاتبة للمتن السردي والجنوح لتوظيف الوسائل والأدوات الفنية الروائية الحديثة للتعبير بحنكة واقتدار عن تجربتها الشعورية الأنثوية، فغدا لها فيصبح ألفاظها وتراكيبها، وموضوعاتها، واستعمالها اللغوي الذي يميزها عن خطاب غيرها من الكتاب الروائيين.
في الختام، فرواية “مدينة للعناكب” للأديبة يسري الخطيب رواية جديرة حقًاً بأن تُقرَأ؛ لما احتوت عليه من مهارة في استخدام التقنيات الروائية الحديثة، فضلاً عن اللغة الموحية، والثقافة الواسعة للإبحار في هذا البحر اللجيّ باقتدار وإتقان، وإنسانية التحليل للشخصيات والأحداث، ورهافة الشعور. والإفادة من تداخل الحكايات والنصوص في بنية الرواية الأساسية، واستخدام التعبير الإيحائي في بث الحياة بالمشاهد الوصفيّة والسردية. أتمنى للأخت الكاتبة المبدعة مزيداً من التفوق في مسيرتها الإبداعية.
[1] ) شاعرة وقاصة فلسطينية، عضو الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، وعضو اتحاد كتاب الانترنت العرب، حاصلة على بكالوريوس إدارة واقتصاد، نشرت قصائدها وقصصها وروايتها في المجلات والدوريات المحلية والمواقع الالكترونية، حازت على جائزة المرأة المبدعة في مجال القصة القصيرة في دورتها الخامسة عام 2014 ، صدر لها عدة كتب منوعة: البحر يعطش أحياناً: مجموعة قصصية كأنه وطن: نصوص شعرية الكائن يبقيني: نصوص بين قوسين ونجمة: مجموعة قصص قصيرة جداً، بالإضافة الى عدة إصدارات الكترونية، وصدر لها روايتان هما: “ابقي بعيدة” و”رواية مدينة للعناكب”
[2] ) الرواية فناً أدبياً، سید حامد النساج، مجلة الفيصل العدد 38 حزيران 1980، ص 27.
[3] ) مرايا الروايا دراسة، عادل فريحات، منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000، ص 10.
[4] ) فن الرواية في المملكة العربية السعودية بين النشأة والتطور، السيد محمد ديب، ط2، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة 1995، ص 212.
[5] ) ينظر: مدينةٌ للعناكب”.. حيثما تضخّمت الـ”أنا” ، إسلام الأسطل، https://www.nawa.ps
[6] ) ينظر: عبد المنعم زكريا القاضي، البنية السردية في الرواية ، تقديم: احمد ابراهيم الهواري، عين للدراسات والبحوث الانسانية والاجتماعية ط1، 2009م. ص11،
[7] ) الِّزيوان: نبت ينبت في القمح له حب كحبه، غير أنه ضئيل دقيق مسود
[8] ) ينظر: قصة الجرة، https://www.amad.ps
[9] ) https://www.albayan.ae ›
[10] ) مجمع الأمثال، الميداني، تحقيق، جان عبد الله توما، ط اولى، بيروت، دار صادر، 2002 ،
مثل رقم ٣٦١.ص ٧٠ .