أحمد حرب

الصديق د. أحمد حرب؛ الدّمث المبدع، في ذمّة الله تعالى
المتوكل طه
عرفته أستاذًا في جامعة بيرزيت مع نهاية السبعينيات، وهو نحلة تتدفّق بشَهدها، ويشارك باهتمام لافت في التقاط المواهب الأدبية عبر غير سبيلٍ، كان أبرزها سوق عكاظ، بمعيّة أساتذة دائرة اللغة العربية، ولجان التحكيم التي كانت تضمّ الآباء: إميل حبيبي، وفدوى طوقان، وسميح القاسم، وإبراهيم العلم، وصبحي شحروري.
أصبحنا أصدقاء منذ أن ساند ثُلّة سعت لتأصيل قاعدة راسخة للكُتّاب عبر تأسيس اتحاد كُتّاب وأدباء الضفة والقطاع. وظلّ زاهدًا في أن يكون في قيادة ذلك الاتحاد، إلا أنه كان فاعلًا حاضرًا ومضيئًا، متواضعًا لا يتردد في تدعيم وتوجيه الجيل الطالع من الزملاء. ولم يتوقف أو يترجّل، بقدر ما انخرط في كل العناوين والتشكيلات الإبداعية التي تهجس بالحقوق والحرّيات، جنبًا إلى جنب مع عمله في بيرزيت، ما جعل أجيالًا عديدة تمرع على يديه.
ورحل المعلّم العزيز الهادئ الجميل أحمد حرب! ليترك فراغًا لسنا قادرين على تعبئة أصدائه، في هذه اللحظة الرجراجة التي ساد فيها صوت الطبل الدموي وأقواس النار والهلاك والدم والإبادة.
ولعلّي لا أجد الكلمات التي تستطيع أن تحمل حزني عليه، فقد كان واحدًا من شيوخي، والذي دلّني على قميصي المُدبّغ بحروف الأسئلة الجارحة، وبرؤية العرفانيّ الذي ما زال تائهًا في تأمّله الناصع!
ولطالما أدهشني نصّه، كأنه صوتٌ يهتف:
“ستأتيك غزةُ بدمها الغضّ، وبنخلتها المحروقة، وبيتها المذبوح، وسترى أبناءها الذين سيجيئون بمشانقهم، ونَطْعِ دمائهم، وشطحاتهم، واصطلامهم، وخِرَقِهم، ونورهم، وصبرهم، وتمتماتهم، وفراستهم، ورؤاهم، ومعاريجهم، ومعرفتهم، واحتراقهم، وشفافيّتهم، وغيبتهم، وسُكْرِهم، وبقائهم، وتجلّياتهم، وجمْعهم، واستتارهم، وإدراكهم، واستغراقهم، وفنائهم، واتّحادهم.. فافتح لهم الليل، واقرأ عليهم حروفي غير المأنوسة!”
فقلت: فعلت!
فهتف ثانيةً:
“اشعل النار؛ ستراهم كلّهم، اسْقِهمْ من قهوتي، ولينتظروا عودتي، لعلّي أوصلهم إلى سعادة الماء.”
قلت: إنهم كثير!
قال: “إنهم قليل، آخرهم مَن قطف السماء وتركها تبحث عن صغارها النجوم، على طريق بيت المقدس!”
سألته: الأخير؟
فسمعت حروفَه وهي تغمغم بضحكته البيضاء:
“أما رأيت النرجسةَ في صفيحة المرآة؟”
قلت: لا أدري!
فتصادى الريح حتى وصل إلى أفقٍ بعيد أراه ولا أبلغه، وقول أحدهم يبلغني:
“بأيّ شيء أتعلّلُ وكلّ ما أجدهُ مُرَدَّدٌ ومُعاد؟”
وقفتُ! فسمعتُه يقول:
“إذا ضحكتَ وبكيتَ فأنتَ منكَ لا منّي.. ولا يَسْلَمُ مَن رَكب.. وكلُّ ذي عُدّةٍ مهزوم.. وقد ترى ولا تعرف.. وإذا عرفت مَن تسمع منه عرفت ما تسمع.. واعرف الفرق لئلا تتيه.. واكتبْ حكمةَ الجاهل كما تكتب حكمة العالِم.. والحرفُ يسري حيث القَصْدُ.. فَالبرعمُ يَشْهقُ مِن هَوْلِ الجِيمِ؛ جَرادٌ في الجَرّةِ، وجحيمٌ في الجَنّةِ، وجُنونٌ في الجُرْحِ، وثلجٌ يلْهجُ مثل الجَمْرِ…”
غير أنه قاطعني، وأَطَلّ بلسان شيخه:
“هيهات! ما أقرب مَن ليس بآت.. وكلُّ سفينةٍ لا يكون رِيحُها منها فهي فقيرة.”
فقلت في نفسي: “هي الجيمُ رجاءُ الخاشعِ كي يصلَ الأبوابَ..”
رحمك الله تعالى يا أستاذنا، وأسكنك الفردوس الأعلى.