ملفات اليمامة

النَّقْد الَّذي وجههُ فرديناند دوسوسير إِلى العُلومِ اللَّغويَّةِ التي سبقت إِحداث اللَّسانيَّات

النَّقْد الَّذي وجههُ فرديناند دوسوسير إِلى العُلومِ اللَّغويَّةِ التي سبقت إِحداث اللَّسانيَّات

بقلم: شوقي الرزقي/ باحث اللغة العربية وآدابها

إنّ التصور القائل إنّ كلّ نظريّة تُسدل الستائر على بقيّة النظريات التي سبقتها ظلّ تصورًا ناميًا بموازاةِ موقفٍ ثانٍ يرى أنّ جوهر كلّ نظريّة هو نتيجة تلاقحها مع بقيّة النظريات والعلوم الأخرى وهو ما اقتضى “تحريك المحرك الذي لا يتحرك” عبر الفحص والتدقيق فيما هو موجود من نظريات مطروحة وصولًا إلى تفكيكها وفهمها ومن ثمة الإضافة إليها أو تجاوزها.
وبذلك تزدهر كل نظرية ويشتد عودها في إطار تلاقح النظريات والتخصصات والعلوم.
ولئن كان “التساؤل هو تقوى الفكر” على حد تعبير “هايدغر” فإننا نتساءل:
ما اللسانيات؟
هل أنّ فرديناند دوسوسير أسس نظريته بمعزل عن بقيّة العلوم أم أنّه أخذ بطرفٍ من العلوم والنظريات التي سبقته؟
وإذا ما سلمنا بهذا الطرح الأخير فما هو النقد الذي وجهه فرديناند دوسوسير إلى العلوم اللغويّة التي سبقت إحداث اللّسانيّات؟
لعلّه من العسير مجابهة موضوع كهذا مع كل محاولة منا للتملص من مفاهيمه المركزيّة ولغل أهمها: “اللّسانيّات” وهي العلم الذي يدرس اللغة الإنسانيّة دراسة علميّة وصفيّة بعيدة عن الأحكام المعياريّة، إذْ يقول الدكتور “محمود السعران” في كتابه “علم اللغة”: “هو العلم الذي يتخذ “اللغة” موضوعًا له. قال فرديناند دي سوسير في 《محاضرات في علم اللغة العام》 إن: 《موضوع علم اللغة الوحيد والصحيح هو اللغة معتبرة في ذاتها ومن أجل ذاتها》”(1).
وبالتالي فإن جوهر اللّسانيّات يتمثل في دراسة اللغة على أساس أنّها بنيّة قائمة بذاتها ولذاتها.
إذن السؤال المطروح إلى من يرجع تأسيس علم اللّسانيّات؟
توصف الدراسات اللغويّة في بدايتها أي في القرن التاسع عشر بالمحدودية والمعياريّة فهي “دراساتٍ تاريخيّة خالصة تدرس اللغة من حيثُ تطورها و تغيرها عبر الزمن فحسب، و إن عرفَ هذا القرنُ بوادر استخدام ما وسمه المفكرون آنذاك بالمنهج الوصفيّ، إلاَّ أنَّ استخدامهُ في تلك الحقبة كان استخداما بسيـــــطا و محدودًا”. وهذا الاستخدام لم يدم طويلا بحكم تطور النظريات وتقدمها إذْ “جاء العالم اللغوي السويسريّ فردينان سوسور ( 1857-1913) أشهرُ وأهمُ لغوي في العصرِ الحديث ليقلبَ واقع الدراسات اللغويّة رأسًا على عقب و يغير مجراها بالمعنى الإيجابيّ استهلالا بإعتباره اللغة مجموعة عناصرٍ قابلة للدرس، والخضوعِ لمحكِ التجربة حتّى و إن اختلفت في نظرهِ عن طبيعةِ كلِّ الأشياءِ الطبيعيّة الأخرى التي بالإمكانِ لمسها ورؤيتها بالعينِ المجردة كالأشجار، الحدائق، المقاعدِ إلخ…” (2)، ومن أشهر كتبه: “علم اللغة العام” ” cours de linguistique général”
وهو مجموعة من المحاضرات جمعها إثنان من طلابه بعد وفاتهِ هما: “شارل بالي” و”البرت سيكاهي” (Charles Bailly & Albert Séchehaye) وبالتالي ساهم جمع هذه المحاضرات في فتح أبواب المناقشات في العصر الحديث.
وبناءً على ذلك فإن العلم الذي نشأ من دراسة الحقائق مرّ بثلاثِ مراحلٍ:

1) النقد الذي وجهه فرديناند دوسوسير إلى العلوم اللغويّة التي سبقت إحداث اللّسانيّات:
أ) القواعد (النحو):
وهو فرع من فروع المعرفة سمي بالقواعد، إذ أنّها دراسة إغرقيّة وأخذها عنهم الفرنسيون وهي تعتمد على علم المنطق.
فهي حسب “دوسوسير” تفتقر إلى النظرة العلميّة ولا ترتبط باللغة نفسها ومن أهدافها وضع القواعد التي تميز بين الصيغ الصحيحة والغير صحيحة وبالتالي فهي دراسة “معياريّة” تبتعد كثيرًا عن الملاحظة الصحيحة للحقائق لذلك مجالها محدد وضيق.

ب) فقه اللغة “الفيلولوجيا”
هذه التمسيّة “فقه اللغة” غالبًا ما تطلق على الحركة العلميّة التي بدأها “فردريك أوكست ولف” (Friedrich August Wolf) في 1777 وهي مستمرة إلى يومنا هذا إذْ أنّ اللغة ليست الهدف الوحيد لهذه الحركة فقد اهتم علماءُ فقه اللغة بتصحيح النصوص المكتوبة وشرحها والتعليق عليها فقد شجعت هذه الدراسة أصحابَها على الاهتمام بالتاريخ الأدبي وبالعادات والتقاليد والنظم الاجتماعيّة وغيرها… أضف إلى ذلك أن هؤلاء العلماء استخدموا أساليب النقد في دراستهم وكان هدفهم دراسة المسائل اللغويّة مقارنة بالنصوص التي كتبت في فترات زمنية مختلفة بهدف معرفة اللغة التي يختص بها كل مؤلِف من مؤلفي هذه النصوص.
كما أنّ استخدام النقد في فقه اللغة له عيب مهم: فهو يعتمد اعتمادًا كليًا على “اللغة المكتوبة” ثم إنّ جلّ اهتمامه انحصر في اللغة الإغريقيّة اللاتينية القديمة.
ج) فقه اللغة المقارن:
اكتشف العلماء أنّ اللغة يمكن مقارنة بعضها ببعض إذْ نشر “برب” (Berb) كتابًا سماه “في النظام الصرفي للسانسكريتيّة” وفيه قارن وفيه قارن اللغة السانسكريتيّة باللغة الألمانيّة والإغريقيّة واللاتينيّة وغيرها… وبالتالي فإنّ العلماء أدركوا عمومًا أهميّة مقارنة اللغات مع “بوب” 1816 كما أدركوا أن علم مقارنة اللغات علمٌ ينحدر من أصلٍ واحدٍ ويمكن أن يصبح موضوعًا لعلم مستقل بذاتهِ إذْ لم يسبق لأحد أن قام بتفسير لغةٍ من خلال اللجوء إلى لغة أخرى وتوضيح صيغ لغة ما بالاعتماد على صيغ لغة أخرى.
يعتبر فقه اللغة المقارن علم قائم الذات ولكنه يعتمد على اللغة المكتوبة ويتخذ من لغةٍ ما سبيلًا لتوضيح صيغ لغة أخرى.
عمومًا مرّ نقد “فرديناند دوسوسير” بثلاث مراحل تجاه العلوم اللغويّة التي سبقت إحداث اللّسانيّات: ( القواعد أو النحو وفقه اللغة وفقه اللغة المقارن)

خلاصة القول يمكن أن نقول إنَّ، نقد “فرديناند دوسوسير” للعلوم اللغويّة يؤكد على أن إحداثَ أيّ نظريّة أو طرحٍ أو علمٍ لا يأتي من عدمٍ بل هو نتيجة تراكم ونقد فحيصٍ، قائم على الأخذ والإضافة ومن ثَمّ التجاوز.

فما هي التصورات الجديدة التي أدخلها “فرديناند دوسوسير” على “علم اللغة”؟

_______

المصدر: (The source)

Ferdinand de Saussure: “Course in general linguistics” Philosophical Library: New York 1959

*المراجع: (the references)

(1) فردينان دي سوسور، ترجمة: د. يوئيل يوسف عزيز ومراجعة النص العربي: د. مالك يوسف المطلبي، “علم اللُّغةِ العام”، سلسلة كتب شهريّة تصدر عن دار أفاق عربيّة الطبعة الثالثة.

(2) فوزيّة دندوقة، أثر لسانيّات دي سوسير فيما تلاها من مناهج ونظريات، ندوة المخبر تحت وسم اللسانيات: مائة عامٍ من الممارسة، جامعة محمد خيضر ببسكرة، كليّة الآداب و اللغات، دون تاريخ، صفحات (1 – 2)

* السّعران محمُود، “علم اللّغة، مقدّمَة لِلقارِىء العَربي”، دار النهضة العربيّة للطباعة والنشر، بيروت.

زر الذهاب إلى الأعلى