نصوص

من رسائلي.. نص: هاشم شلولة

من رسائلي

بقلم: هاشم شلولة/ شاعر وكاتب

عزيزتي:

يبدو أنَّ الكتابةَ إليكِ قدري الذي أهرب منه إليه، طريقي التي بُنِيَت من جذور الدلالة عليّ.. لهذا؛ فإنَّ قهرًا ما يحوّطُني كلّما مرّ وقتٌ أطول مما ينبغي دون فعل الكتابة إليكِ. إليكِ أنت التي تسكنُ وطَرَ خفوتي كلّما آن لهذا الخفوت أن يتجسّد في رغبتي فيكِ. لهذا؛ كتبتُ وأكتب وسأظل أفعل هذا طالما أنَّ خيالي لا يزال يسير على قدمين في رأسي.

مقالات ذات صلة

هل أنتِ بخير؟. وهذا سؤال العادة، الذي يصير مثقلًا بالاتجاهات الآمّة لقِبلةِ ما أريده منكِ، ولا أريده في ذات اللحظة.. أقصد بسؤالي هذا: هل لا زلتِ تحبينني أنا البعيد، الذي يرى كلَّ الأشياء بعينيه إلّا أنتِ؟

والحقيقة أنني أراكِ بكل تجاميعي وتناثُراتي في المدى وأجزائي الموزّعة على العالم… إلّا عيني، تلك الأداة العجيبة والمدهشة التي تنتزع سَطحَ الحقيقة، أما جوهرها فينتزعه قلبي. لذا؛ فأنا لا أرى إلّا الجوهر إذا ما تعلّق الأمر بكِ.. جوهرَ الوحشة التي تبني الطوابق بداخلكِ جرّاء غيابٍ ما، ولا أظنّه غيابي أو أزكّيه في ذاك السبيل. أظنُّها وحشةً تشبه المفقودَ وغيرَ الموصول إليه لمسًا أو عناقًا، وقد أكون أنا حين يرجع الزمن بنفسه قليلًا إلى بيت الجمال الأول، جمال اليد التي تصلّي في جوف أختها؛ وقتما نعبر الطريق جنبًا إلى جنبٍ منصهريّن، ووقتما تأتي سيارة مسرعةٌ، فأسحبك إلى الوراء قليلًا نحو حضني البارد خوفًا مبالغًا فيه من الطريق، ووقتما كنّا نتهجّدُ على أبواب الليل، كأننا بلغنا لغةَ الوصول وبيانَها وبديعَها.. ولأنني أؤمن أنَّ ثمّة جدولًا مفتوحًا على شجر الحب؛ تمرّ عبرَه الأرواح لتُكنِرَ الشجرَ بتجاربها الثرية، فإنني أعرف أنني وإيّاك نزحفُ كالماء نحو الجذور، بذلك أفصلُ القولَ بالتشابُه في دستور الحنين، ودستور الوحشة حين تدور وجوهُنا حول وجوهنا لحظة الاستذكار، واستشعار كمّ وحدتنا دوننا.. ونحن لسنا ضحايا أو مهزومين، ما نحن إلّا غرباء في هذه الحياة التي تصير أبخس كلّما لم تأذن لنا بالعناق، وترقيع ثوب غربتنا بالكلام الطويل عن الحب ودفء التلامُس وجنّة المواعيد الأبدية..

أعرفُ أنَّ الحبَّ مهمّة من لهم ماضٍ، وليس لهم حاضر، ويبحثون عن المستقبل.. لا يكترثون لقتل التوازي بين الواقع والحب. يبحثون فقط عن جلالة اللحظة وجَلاء الشعور المتزامن مع قُبلةٍ في الريح، وعلى مرأى الرمال المُنذرة نفسها لأنفاس العشاق، من قتلهم ازدحامُ المدن، واكتظاظُ الجوفِ بالتراكيب المحرومة من تحويلها صوتًا أو حتى زجاجًا؛ يكسره أبدُ المنتظرين لكل الأشياء والأوطان.. وأعرف كم يبدو الآخرُ آخرًا حين تغيّبُه الأحداثُ عن الحب الكبير، المرجوِّ من دائرة الزمكان، الخالي من رهان القلب الآنِيِّ على القلب.. حين يغدو كل صمتٍ من أجل الروح العاشقة عيبًا يُراد به قربًا، فتمنعه سدود البُعد؛ الذي قضت به سُنّةُ العبور التفاصيلية نحو الأنباء الجديدة، التي هي سوى الحب الوجل والخجل من كونِه حبًّا كبيرًا، يسكن مهاجع شبابًا عاجزين لأسبابٍ فنية تخصُّ الحياة. فقيدي/ كلَّ قيدي، أقلّه وأكثره، نصفة، زدِ عليه أو انقصِ منه قليلًا.. كلُّ قيدي فسحةُ دمي من هول الحضور الكنسيّ لك بمحرابي أنا الذي صلّى لنجاةٍ هي وجهكِ قادمًا من أقصى أقاصي الحياة إليّ، متداريًا فيَّ، وقارئًا تراتيل الهيام عليّ. تعالي حُلُمًا أو كلمًا أو خيمةَ الناطور في البلد البعيد.

أناديكِ من حيث أقبع الآن في هذا المهجع الصامت والجامد، أناديك بكامل وحدتي وهي تتوزع في سماء غرفتي مزاحِمةً دخان السجائر الغاضب في الأرجاء. أناديك نداء تي إس إيليوت لإميلي هييل، نداءَ المراة في أربعاء الرماد.. “يا سيِّدةَ الصَّمتِ/ أيَّتها الهادئةُ الحزينةُ/ أيَّتها الممزَّقةُ والكاملةُ أشدّ ما يكونُ الكمالُ/ يا وردةَ الذاكرةِ/ يا وردةَ النسيانِ/ أيَّتها المتعبةُ، يا مَن تهبينَ الحياة”

أنا أعلم ماهية هذا النداء وأدركها، وإنّه ليس نداءً يُراد به تلبيةً واحتضار.. قدرما هو محاولة منّي لتعريف نفسي من خلالكِ وأنتِ هناك في البلدان البعيدة، تتنقلين من شارع لشارع، وتتوزع عيونك على الرجال، ومع كل لمحةٍ يسقط وزنَ ظلّي بداخلكِ.. أناديك لأذكّرَكِ أنني حيٌّ فيكِ، وما هذا البصر المتوزّع على عيون الرجال الغرباء إلا هستيريا اكتشافية لوجهٍ مفقود، منسيّ، هو وجهي.. ذلك الوجه الباحث عنكِ في صمتٍ أنتِ سيّدته، وذاكرةٍ أنتِ وردتها التي تنضج كل يوم في حديقتها حدَّ الذبول، وحدَّ سقايةٍ يفعلها قهري كل ساعةٍ ليُعيدكِ إلى الحياة في تلك الحديقة السرية وغير المرئية.. أيتها المتعبة، التي تمنح الحياة، وهل أسمى وأكبر وأعظم شأنًا من تعبٍ يمنح الحياة؟

أنا أحبكِ كلما تذكرتكِ أو نسيت، ومع كل حرف أكتبه؛ يُضَخُ دمُ حبّك في عروق استعاراتي. أحبُّكِ عندما أعود منّي إلي واحدًا أو حشدًا أو لاشيء. أحبُّكِ عندما أذهب إليَّ متخففًا من الدنيا واحتمالاتها. أحبُّك قبل الحب، في تنّوره وبعده.. وعندما تصيرين إياه أو تضعَكِ الحياةُ على مفترقٍ فتُغادريه بقلبٍ تكويه الالتفاتات. أحبّك وأنا أشاهد زمني يمشي حافيًا على أكتافي، فأكبُر ويظل يمشي كوقتٍ؛ لا يعرفُ الغاية من الخُطى وعلاقة الأقدام بالأرض.. أحبُّكِ وأنا أرجع صغيرًا بدهشة الطفل الذي يرى العالم من نافذة سيارة مسرعة، أحبُّك كالمعجزات وهي تنحنى إجلالًا لداوود النبيّ فتوسِّع حدقةَ عينيه، وتوضّح الأسماع.. أحبُّكِ كلّما آذنتُ لنفسي مغادرة نفسي، وبلغت وصلًا كنت أرجوه ويرتجيني؛ فتوازينا لغة العِناق أو تدارينا.. فنكبر معًا كجرحٍ أو صمتٍ، فنحقق أبدًا تسمّيه السردياتُ حبًّا.

فتعالي من هُناكِ إلى هُنايّ، وإلى اسمٍ قد أسمّيه اسمي، وقد تسمّيني.. فأدنو وأدنو؛ كحقلٍ من الساقية. هذا أنا بحزن الطريق على شفتاي، بوجد الانشطار، بأول اسمي وآخره وربما برتق الجماليات برغبةٍ أجَّلتُها، وآن فكاكها.

محض أشياء أكثر من ذلك بكثير، كانت تطوف برأسي، ويعوزها ما يعوزها من نَفَسٍ على ورق الرسائل، فكان ما كان للأنفاس من كلمات قرأتيها خلال نص البرقية؛ الذي حاولت بقدر المُستطاع اختزاله.. فمازالت تفاصيل كثيرة تسكنني سكن المسافة للطريق.

والسلام في البداية والختام.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى