ثقافة

سميح محسن يكتب في ذكرى ناجي العلي: مَن أطلق النار على صاحبك؟!

مَن أطلق النار على صاحبك؟!

بقلم: سميح محسن/ شاعر وكاتب 

في مساء يوم الأربعاء الموافق الثاني والعشرين من تموز (يوليو) عام 1987، كنت ذاهباً إلى غرفة الإخراج في صحيفة (الرأي العام) الكويتية لتسليم مادة الصفحة الثقافية، وكان العمل في مونتاج الصحف الورقية يدويا (قص ولصق)، سألني مخرج الصحيفة: “مَن أطلق النار على صاحبك؟!”. بدون تفكير بالإجابة قلت له: (ر.م) وكان ناجي العلي قد ذكر اسمها صراحة في إحدى رسوماته الكاريكاتيرية.

ناجي العلي الذي أنهت حياتَه رصاصةٌ أطلِقَت من كاتم صوت، كان قد رفع صوته عاليا ضد الاغتيالات السياسية، وبخاصة تلك التي تتم على خلفية الرأي والتعبير.

وناجي العلي، الذين كان يتلقى التهديدات المباشرة والمبطَّنَة، من الغرباء ومن ذوي القربى، لم يكن يخشى الموت، بل كان يتوقعه، ويتعامل معه بسخرية. ذات ليلة جمعتنا على هامش أسبوع ثقافي فلسطيني في الكويت حذّره د. هشام شرابي عندما قال له أنّه قرأ مقالة في أشهر صحيفة أميركية ورد فيها: “لكي تعرف موقف الجماهير العربية من السياسة الأميركية في المنطقة، ما عليك إلا أن تتابع رسومات رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي”. ردّ ناجي بسخرية: “كما ترى أنا جسمي نحيل، وإذا أطلقوا عليّ النار لن يصيبوني”، وكأنّ شرابي كان يحذّره من اليد الطويلة لعملاء المخابرات المركزية الأميركية.

الاغتيال يُنهي حياة إنسان، إلا أنّه لا ينهي سيرته وصيرورته، بل يضعه على أعلى درجات سلم المجد والخلود. في حياتنا الثقافية قامتان عاليتان في الأدب والفن، وبالإضافة إلى علوهما وقيمتهما الإبداعية، أضافت حالتا استشهادهما قيمة أخرى لسيرتيهما النضالية والإبداعية، أليسا غسان كنفاني وناجي العلي الأكثر حضوراً في مشهدنا الثقافي وضميرنا الوطني والإنساني إلى يومنا هذا رغم مرور واحد وخمسين عاماً على استشهاد الأول، وستة وثلاثين عاما على استشهاد الثاني؟!

هل يعلم القاتل، وهل يعلم من اتخذ قرار القتل أن صوت ناجي العلي أعلى من صوت الرصاصة التي زرعوها في رأسه، ولو لم يكونوا يعلمون ذلك لما ارتكبوا جريمتهم ؟!

قد يكونوا همُ ذهبوا، إلا أنّ ناجي العلي ظل حاضراً، وما اتكاء أبناء الجيل الذين ولدوا بعد رحيله على رسوماته لخير دليل على خلوده…

زر الذهاب إلى الأعلى