
بقلم:وليد الخطيب
الحلقة الثانية
السّفر
اللغة العربية من أهم اللغات السامية، فهي لغة الشعر والأدب والبلاغة والإيجاز، وهي لغة قوية وحيوية. فهي غنية وغزيرة وعزيزة، من حيث التعبير والعذوبة والمعاني الرقيقة والنحو والصرف… فاللغات الأجنبية تتشابه في ما بينها في أمور كثيرة؛ أمّا اللغة العربية فوحيدة فريدة لا شبيه لها. ولا عجب أنّها مميّزة، فإضافة إلى ما سبق، نجد أن للغة العربية مدرجاتٍ صوتيةً عدة، فهي تتدرّج من الأحرف الشفوية إلى اللسانية إلى الحلقية… وما بينها، فضلًا عمّا فيها من موسيقى ومن نطق مميّز.
ومن مميّزات اللغة العربيّة أنّ فيها حروفًا لا تجتمع أبدًا في لفظ واحد، حفاظًا على انسجام الكلام وطريقة نطقه وتعبيره، فعلى سبيل المثل لا الحصر، لا يجتمع حرف الحاء مع حرف الهاء في كلمة واحدة، وكذلك الطاء والظاء والقاف… وهنا الفن في تركيب الحروف وانسجامها للحصول على مفردات وكلمات مفهومة ولها معانٍ.
وإحدى هذه الكلمات التي سنتكلّم عنها هي الفعل “سَفَر”، ومنه “سَفَر” و”سِفْر” و”سفور”… فنقول سَفرَ الصبح أي أضاء، وسفّر النار أي أوقدها وجعلها تلتهب، و”السِّفر” أي الكتاب، و”السفَر” الانتقال من مكان إلى آخر والهجرة… و”السَّفْرُ” أي الأثر إذا بقي على الجلد و”السافرة” أي المرأة التي تظهر شعرها… وهذه الكلمة لها معانٍ كثيرة بحسب استخدامها في الكلام…
فما علاقة هذه الكلمات ببعضها بعضًا؟ وما الذي يجمع بينها؟
إذا أنعمنا النظر جيدًا وتأمّلنا كلّ كلمة من هذه الكلمات، وجدنا أنّ غايتها واحدة، فمع تنفّس الصبح بعد الليل، نرى الأشياء ومعالمها، وحين تُوقَد النار يتّضح ما حولها جليًّا، والكتاب أيًّا كان حين نقرأه نجد فيه معلومات جديدة لم نكن نعرفها من قبل، وفي السَّفَرِ/ الارتحال، نرى أماكن لم نرها قبلًا ولم نكن نعرف عنها شيئًا أو ما يكفي، والأثر على الجلد يكون باديًا للعيان، وعدم غطاء الشعر يعني ظهوره لونًا وطولًا وقصرًا ونوعًا وشكلًا…
إذًا، الجامع بين هذه المعاني كلها، هو الكشف والمعرفة. من هنا، كان اشتقاقها من جذر واحد هو “س ف ر”.
أليس هذا ما نكتشفه من خلال الشرح والتفسير؟ ألا يُعتَبَر هذا الأمر ميزة أخرى من ميزات اللغة العربية التي لا نرى فيها اعوجاجًا ولا عُجمة؟